في غزّة .. الأماكن الأثرية تشكو قلّة زوارها
تاريخ النشر : 2016-03-03 07:18

نوى - مرح الواديّة

خلف كتلٍ اسمنتيه، وحياةٍ بائسة رمادية، يكاد يُنسى وجهٌ آخر عتيق وجميل، لقطاع غزة، متجسّد في أماكن آثرية بلغت أعمارها آلاف السنين، يتخفّى بعضها بين زقاق، في زحام المدينة، وبعضها الآخر واضح وضوح الشمس، تمرّ النّاس عنه ومنه ليل نهار، ولم تعد تلفت أنظارهم بسبب الأحوال البائسة التي يعيشها القطاع منذ سنوات.

تروي هناء حمد عن رحلة سياحية قامت بها برفقة مجموعة من الصحافيّات للأماكن الأثرية في القطاع قائلة: "في ضوء الأحداث الجارية بفلسطين المحتلّة، وقطاع غزّة تحديدًا، أخذت اتجاهات النّاس تنحرف عن الأماكن الأثرية والسياحيّة لتعجّ في ضجيج المدينة ووجهها الإسمنتي، فضلًا عن مشاهد الخراب التي عشّشت في ذاكرة الجيل الجديد على سبيل المثال لا الحصر، الأمر الذي أجبر العامّة وحتى الجهات المعنية على إهمال أشهر الأماكن الأثرية وأشدّها جمالًا في القطاع" مشيرة إلى أنها انذهلت من وجود أماكن لم تكن تعلم بها، ولأول مرّة تزورها خلال رحلة نظّمتها مؤسّسة فلسطينيات أخيرًا.

تتابع حمد:" رأينا من الأماكن ما يمكن أن ينتج بها أعمالًا سينمائيّة ومتاحف أثرية تحتوي على مقاهي لتجذب الناس لزيارتها" متسائلة عن دور الجهات المعنيّة المغيّب عن الاهتمام ببعضها وإعادة ترميمه بما يخدم المكان والسكّان الذين يسيطر عليهم البؤس في معظم أرجاء المدينة – حسب قولها -.

لعلّ أشهر الأماكن الأثرية في القطاع "متحف قصر الباشا" ويقع في حي الدرج، مكوّن من طابقين، وتعود أبنية هذا القصر إلى العصر المملوكي، وكان مقراً لنائب غزة في العصرين المملوكي والعثماني وينسب هذا القصر لآل رضوان الذين امتلكوه في بداية الفترة العثمانية.

 بالإضافة إلى سبيل الرفاعي الذي يقع في حي الدرج أيضًا، وقد أنشأ هذا السبيل في العصر العثماني في القرن 16م بهرام بك بن مصطفى باشا، وقد جدده رفعت بك لذا سمي سبيل الرفاعية كما جُدّد في عهد السلطان عبد الحميد الثاني سنة 1318هـ لذا أطلق عليه سبيل السلطان عبد الحميد. وهو عبارة عن دخلة يتقدمها عقد مدبب على جانبيه مكسلتين، يتصدر الدخلة فتحات كانت مزودة بقصبات لسحب الماء من حوض السبيل لسقاية الناس.

تقول رهام صلاح وهي مشاركة أخرى بالرحلة السياحية:" بعيدًا عن ضجيج المدينة وحجارة الإسمنت التي ملئت غزة, ومع ضجيج الذكريات التي نراها بالصور, كان لي الحظ اليوم أن ارى غزة من جانب اخر، لرغم أنّني أعيش هنا, إلا أني اليوم اقتربت اكثر من هذه التفاصيل, متساءلة" كنت أفكّر وأنا أحمل رأسي الصغير وأمشي...، كيف لهذا المكان الصغير المدعو "غزة" ان يحمل كل هذا التاريخ وهذه التفاصيل المزروعة في ازقتها ؟؟" وتلفت: "كل حجرة هنا لها حكاية وكل حكاية لها قصة تروى من خلال مشاهدتها".

من جهتها، تؤكّد وفاء عبد الرحمن مديرة مؤسّسة فلسطينيّات، القائمة على الرحلة: أنّ الهدف منها: "لفت انتباه الصحافيات إلى أهميه الآثار، وتعريفهن بالأماكن الأثرية والتاريخية القديمة، التي تتمثل في كونها شاهد تاريخي على أن قطاع غزه كان ممر لكل الحضارات الإنسانية، وتدحض الرواية الإسرائيلية أن فلسطين "ارض بلا شعب"

 تضيف" تنفي الشائعات المغرضة بحق أهل القطاع، أنهم لا يهتمون بآثارهم، بل هي وثيقة تاريخية لتثبيت حق الفلسطينيين على  الأرض".

وشرحت عبير أبو الهطل من العلاقات العامة بوزارة السياحة والآثار والتي رافقت الإعلاميات في الجولة، عن تاريخ قصر الباشا -الذي يعود تاريخه إلى العصر المملوكي- والفترات التاريخية التي مر بها القصر، واستخداماته المتعددة خلال الحقب الزمنية التي شهدت تقلبات عديدة حتى أعيد ترميمه العام 2010 ثم آخر مرة رُمم في عام 2014.

أما بيت الباشا وهو المملوك لمواطن من غزة، بدا عليه عدم الاهتمام، والإهمال الشديد من خلال تكوّم النفايات، وتصدع حجارته، وتسرب المياه العادم إلى فنائه الخارجي.

بالمقابل يعكس "مركز رياض العلمي للتراث الفلسطيني، الاهتمام بالتراث الفلسطيني القديم، من خلال نظافة المكان والعناية به، ما يجسد الوعي بأهمية التراث والمحافظة عليه.

وهو أحد تلك البيوت الآثرية التي نجت من الهدم، فرغم مرور أكثر من أربعة قرون على المنزل الأثري إلا أن حجارته وأعمدته مازالت قادرة على الوقوف.

وبعد إعادة ترميمه، قامت مؤسسة اليونسكو،  بتأثيث ليصبح مزاراً تراثياً عريقاً متجذر في أصول التراث الفلسطيني. وبحسب أبو الهطل فإن تعقد فيه الأمسيات الثقافية والجلسات العلمية والحوارية خلال العام. وتزداد في فصل الصيف.

في ظل الحصار وإغلاق المعابر، وعدم تمكن أهالي غزة من السفر والاستجمام وقضاء الإجازت خارج القطاع،  تبقى زيارة الأماكن والمواقع الآثرية في غزة، وُجهتهم، لتعميق الترابط الثقافي والحضاري بين الأجيال وتعريفهم بتاريخ المدينة القديم، هذا يتطلب التوعية المستمرة بأهمية هذه الأماكن، والاهتمام بها بشكل اكبر، لتجذب اليها القطاعات المختلفة من المواطنين.