مبعدو كنيسة المهد...جرح ما زال ينزف
تاريخ النشر : 2016-02-24 23:27

بعد ثمان سنوات من الإبعاد كان اللواء عبد الله داوود أول مبعدي كنيسة المهد عودة إلى وطنه فلسطين ولكن؛ بعد أن سجّي جثمانه في تابوت خشبي حمله من الجزائر حيث قضى أعوامه الأخيرة الخمس، وصولًا إلى مسقط رأسه في مخيم بلاطة قضاء نابلس عام 2010م.

عاد من عمل مديرًا لجهاز المخابرات في بيت لحم حتى العام 2002 حين حاصرت قوات الاحتلال الإسرائيلي 36 مقاومًا فلسطينينًا داخل مبنى كنيسة المهد، صمدوا مدة 39 يومًا وقاوموا بينما جرت المفاوضات بين وفدين فلسطيني وإسرائيلي في القدس انتهت باتفاق شفوي يقضي بإبعاد 26 منهم إلى قطاع غزة والباقي إلى دول أوروبية بما لا يتجاوز ثلاث سنوات، ليمتد بهم العمر حتى اللحظة دون أن يتمكنوا من العودة؛ وتتزاحم معها صور معاناتهم بعيدًا عن ذويهم.

"أم المنذر" والدة المبعد إلى غزة مؤيد جنازرة تشتكي عدم رؤية أولاد ابنها مؤيد منذ سنوات، فهو تزوج في غزة دون أن تفرح به ككل الأمهات؛ وأنجب أربعة أبناء يقتصر اتصالها بهم وبزوجته عبر الهاتف فقط.

تقول أم منذر:"يعلم الله كيف تتقطع قلوبنا على أبنائنا الذين لا نتمكن من رؤيتهم، حين زرت مؤيد قبل عدة سنوات سافرت إلى الأردن ثم مصر ومنها إلى غزة".

رحلة شاقة ومضنية لسيدة تعيش العقد السادس من عمرها لا طاقة لها بكل هذا التعب، أزمة تعانيها كل أسر المبعدين، فما بالنا بتكاليف السفر المرهقة جدًا بالنسبة لعائلات تعيش على راتب عادي، طريق طويل ومرهق لكن على الأقل كان أشبه برأس الرجاء الصالح، حتى هذا لم يعد متاحًا في ظل إغلاق معبر رفح وحصار غزة المستمر.

تكمل أم منذر:"ظروف غزة تزيد من قلقنا على أبنائنا، خاصة في الاعتداءات الإسرائيلية حيث لا قدرة لنا على تناول الطعام ولا الشراب، نقضي وقتنا أمام التلفزيون لمتابعة الأخبار والاطئمنان، والقلق يأكل قلوبنا".

أما ابنها مؤيد والذي يؤكد أن المبعدين يحظون بعلاقات اجتماعية جيدة، لكن يحرمون من رؤية ذويهم ويحرم أبناؤهم من رؤية أقاربهم، فالغيبة طالت والعمر يمر والعودة للعيش وسط الأهل أصبحت ملحّة أكثر.

يقول مؤيد :"14 عامًا مرت وما زلنا ننتظر، قضية المبعدين منسية وليست على رأس أولويات المفاوض، الأهل لا يتمكنوا من زيارتنا في غزة عبر معبر بيت حانون، وطريق الأردن مرهقة، تزوجت ولدي أربعة أبناء يريدوا رؤية أهلهم وجدتهم وأبناء أعمامهم ما ذنبهم في كل هذا، حتى اخواتي جميعًا لم أشاهد أي منهم منذ لحظة الإبعاد، كبر من كبر وتزوج من تزوج ومن من مات وأنا ما زلت بعيدًا".

عودة إلى الشهيد عبد الله داوود والذي عاد من الجزائر بعد أن وافقته المنية بنوبة قلبية، ليدفن في وطنه، ألقت زوجته نظرة الوداع عليه وحملت زمام المبادرة للدفاع عن كل مبعدي كنيسة المهد.

الباحثة كفاح حرب الأكاديمية في جامعة النجاح، أسست الحملة الوطنية لعودة مبعدي كنيسة المهد أحياء، لتنفذ عدة فعاليات ولقاءات ومحاضرات هدفها الضغط من أجل وضع قضية المبعدين على سلم أولويات جهود السلطة الفلسطينية.

تقول حرب:"بغض النظر عن الظروف والأسباب، الإبعاد جريمة ضد الإنسانيةن وهي تمس بالأسرة من الناحية الوجدانية، وهذا يعانيه المبعد وعائلته من حزن دائم وخوف من الموت وطول الغياب، والحرمان من المشاركة الاجتماعية، كثير من العائلات لم يلتقوا منذ سنوات، هناك أطفال لم يشاهدوا آباءهم المبعدين حتى الآن،ومبعدون تزوجوا ولم تشاهد أسرهم أطفالهم".

لم تكن تجربة الإبعاد الأولى بالنسبة لزوجها الراحل، فقد سبق وأبعد عام 1992 عندما تم حصار جامعة النجاح، إلا أن وفاته خارج فلسطين كانت الدافع للمطالبة بعودة المبعدين أحياء إلى ذويهم.

تؤكد حرب أن رسالة الحملة موجهة للجهات السياسية بضرورة الاهتمام أكثر بهذا الملف، وقد ساهمت الضغوطات في وضع القضية كأحد شروط العودة للمفاوضات وهذا تأصيل مهم رغم أن المفاوضات متوقفة.

أما المبعد إلى غزة فهمي كنعان الناطق باسم مبعدي كنيسة المهد؛ فيؤكد أن الإبعاد بحد ذاته كان جريمة ارتكبت بحقهم، فهم صمدوا وقاوموا مدة39 يومًا ليس من أجل الإبعاد رغم من قال بأن هذا أفضل ما يمكن الوصول إليه في ذلك الوقت.

واتهم كنعان محمد رشيد ومعه محمد دحلان بأنهما من تسببا في الوصول إلى هذا الاتفاق الشفوي والذي كان من الواجب على الأقل تثبيته بالوثائق، فحتى من انتهت مدة ابعادهم البالغة عامين لا يتمكنوا من العودة بسبب عدم وجود اتفاق مكتوب.

وقال كنعان إن السلطة الفلسطينية لو تابعت الملف منذ عام 2005 لتوصلت لحل ولكن تم إهمال القضية، وحتى عندما تم عقد صفقة شاليط طالب المبعدون بأن يكونوا جزءًا من الصفقة ولكن تغيرت الشروط ولم يتم إدراجهم فيها، ما شكّل خيبة أمل كبيرة لهم ولأهلهم.

يعاني المبعدون كما يقول كنعان ليس فقط من عدم القدرة على رؤية ذويهم، بل التكاليف العالية التي سيتحملها المبعد نفسه لو زاره أهله عبر الأردن ثم مصر، وحتى هذا لم يعد ممكنًا حاليًا.

أزمة مبعدي كنيسة المهد التي بدأت في 10 مايو 2002 ولم تنته بحاجة إلى عدة جهود من أجل حلها، فما بين مؤسسات حقوقية وأهليه وفعاليات ضغط خارجية وتفعيل دور السفارات الفلسطينية في هذا الملف.