إن اختيار معلمة فلسطينية من ضمن أفضل عشرة مدرسين في العالم يعتبر إنجازاً، من المفترض ان لا يشكل حالة فردية، يتم تناسيها أو المرور عليها سريعا، وبالطبع هذه ليست الحالة الفلسطينية الأولى، سواء من الداخل او من الخارج، التي تفوز أو تحتل مكاناً مرموقاً، من ناحية الإبداع والريادة والابتكار، سواء أكان ذلك في مجال التكنولوجيا، او الإدارة، او في مواضيع الاقتصاد، أو الفن، أو في مواضيع الصحة والطب والزراعة والتعليم وغير ذلك، وهذه الحالات الفردية هنا او هناك، تحتاج الى حاضنة، والى رعاية، والى توفر مصادر، والى متابعة، أي تحتاج الى خطة استراتيجية شاملة متكاملة ومستدامة، وعلى المستوى الوطني، من اجل دعم الإبداع والريادة، الذي أصبح من أهم مقومات نمو العديد من المجتمعات والدول، وبالأخص ان الإبداع، اي الإبداع البشري الفلسطيني، الذي يعتبر من اهم مقومات التنمية والتقدم، يتم في ظل غياب المصادر الطبيعية والمادية، التي في العادة تزخر بها دول عديدة، وبالتالي يبقى الإنسان الفلسطيني هو الذخر البشري الإنساني للتقدم في بلادنا؟. ومن أجل أن لا يبادر المبدعون الى المغادرة والهجرة، في اقرب فرصة تتاح لهم، فالمطلوب ترجمة الاهتمام بالإبداع والرياديين والمبتكرين الى خطوات عملية، اي الى توفير الحد الأدنى من المقومات التي تتيح للمبدعين البقاء والعمل وتحقيق المزيد من الإبداع، وهذا ما تقوم به دول عديدة، والا خسرت هذه الدول مبدعيها ومبتكريها، الى دول أُخرى تتسابق وتقدم الكثير من اجل جذبهم والاحتفاظ بهم، وبالتالي تحقيق التقدم والتنمية والمنافسة من خلالهم؟ وحسب استطلاع أجراه "المنتدى الاقتصادي العالمي"، قبل فترة، تحتل إسرائيل مثلاً، المرتبة الثالثة على مستوى العالم في مجال الابتكار والإبداع والاختراعات والتجديد، وتحتل كذلك المرتبة السادسة في عدد براءات الاختراعات، والسبب الأساسي لذلك هو مستوى التطور والتقدم والاهتمام في البحث العلمي والتطوير للمنتجات والخدمات، وهذا كله بالأساس عائد الى مدى الاهتمام بالتعليم ونوعيته، وبالتالي الإبداع والابتكار، والذي في المحصلة يصب في التقدم الاقتصادي والتنمية. وفي نفس الاستطلاع المذكور، احتلت إسرائيل المرتبة 27 في قائمة مستوى التنافسية للاستثمار وجذب رؤوس الأموال وبالتالي تطور واستدامة تقدم الاقتصاد والتنمية الاقتصادية، وهذا المستوى يعتبر عاليا ومتقدما في العالم، حيث تحتله كذلك دول متطورة مثل كوريا الجنوبية ولا يوجد لنا نحن مكان في قائمة الإبداع والريادة في هذه اللائحة الآن، ولكن هناك أماكن للدول المجاورة لنا، حيث تحتل الأردن المرتبة الـ 68، ومصر المرتبة 118 مثلا، وهذا بحد ذاته يشكل حافزاً لنا للاستثمار أكثر في المبدعين، وحتى لتبني دعم الإبداع من خلال احد أهداف الحكومة والقطاع الخاص في بلادنا. ومن المعروف ان من اهم العوامل التي تحدد درجة التنافسية، هي جودة البنية التحتية ومقدرتها على جذب وتشجيع ودعم الإبداع والابتكار والريادة، وبات مستوى التقدم في الريادة هو المعيار لتحديد مستوى التقدم عند الدول، اي من خلال تصنيفها "غنية او فقيرة بالابتكار والريادة"، واصبح التنافس على مستوى الدول او الشركات وبالتالي النجاح والتقدم وحتى البقاء يقاس بمدى القدرة على تقديم الجديد، بالجودة والفائدة والاهم الجديد الذي يلبي حاجات الناس ويخدم مصالحهم، واكبر مثال على ذلك هو التنافس الحاد والمتواصل في الإبداع والابتكار بين شركات الهواتف الذكية، او في مجال تطوير وإنتاج أدوية جديدة؟. وفي أوضاع مثل أوضاعنا، بات الإبداع والريادة والابتكار، وفي ظل التنافس الحاد، هو المفتاح الأساسي من اجل نمو الاقتصاد، ومن اجل تقدم المجتمع، وصحيح انه لا يوجد عندنا بنية تحتية تمتاز بالجودة لجذب الإبداع، ولكن وبالإضافة الى البنية التحتية، من المفترض توفر الكفاءات والعقول البشرية وهذا عندنا، ومن المفترض توفر الخطط والاستراتيجيات وتوفر القوانين والتشريعات، وهذا من المفترض ان يكون عندنا، ونحن وفي ظل ضحالة المصادر الطبيعية، نحن الأحوج الى الاعتماد على الريادة والإبداع والاختراع والتجديد لكي نبقى وننافس، وهذا يأتي من خلال الاستثمار في التعليم والتعلم والأبحاث والابتكار. وهذا يعني الاستثمار في التعليم من الأساس، اي في البنية التحتية للتعليم، بدأ من الأسلوب والمنهاج وتحفيز التفكير والابتعاد عن التلقين، والاعتماد اكثر على البحث العلمي، وهذا يعني توفر الطاقم للتعليم والظروف التي تؤهل هذا الطاقم للعطاء، من المباني والحوافز والرواتب، وهذا يعني توفر السياسات التي تصب في هذا الاتجاه، وهذا يعني تكامل النمو في الاقتصاد مع فلسفة التعليم، وهذا يعني بالأساس وجود الاهتمام بالتعليم والتعلم والإبداع كأولوية على المستوى الرسمي او من خلال الحكومة. وهذا يعني ان يتم تخصيص جزء رئيسي وان لم يكن الجزء الأكبر في الميزانية للتعليم، ولا عجب اذا علمنا ان في دولة مثل تركيا، حيث حققت وما زالت تحقق تقدما اقتصاديا ومستداما، بل حققت معجزة اقتصادية خلال السنوات القليلة الماضية، يحتل التعليم البند الأول والاهم من حيث مقدار ما يتم تخصيصه للقطاعات المختلفة في الميزانية التركية، حيث يتقدم ما يتم صرفه على قطاع التعليم، قطاعات أُخرى كالصحة والأمن والخدمات وغيرهما! والإبداع او الابتكار في دول عديدة، شكل وما زال يشكل المحفز الأساسي للنمو، والجاذب الأهم للاستثمارات الأجنبية، وللشركات الكبيرة الباحثة عن الجديد وعن التطوير وبالتالي المنافسة، في عالم شديد المنافسة، ولذا فإن تبوُّء معلمة فلسطينية من ضمن العشرة الأوائل على مستوى العالم، من المفترض أن لا يكون خطوة منفردة فقط، ولكن ليكن خطوة في ظل خطوات مدروسة، تؤسس وبقوة لثقافة ولممارسة الإبداع في بلادنا، أو بمعنى آخر الاستثمار في العنصر البشري المبدع، من اجل سد حاجات المجتمع، ومن اجل المساهمة في النمو، ومن أجل جذب الاستثمارات، وكل ذلك من المفترض أن يتم بتشجيع وبتوفير المقومات الأساسية من القطاع العام أي من الحكومة، وبشراكة مع القطاع الخاص، وبدعم منسق من الكثير من المؤسسات المحلية والدولية التي تهدف وتتهافت إلى دعم الإبداع والريادة والشباب والابتكار.
دعم الإبداع والريادة يحتاج إلى إستراتيجية متكاملة؟
تاريخ النشر : 2016-02-20 09:48
