لم ينقص المواطن الفلسطيني إرباكات حتى يقع في إرباك شديد سببه تأخير صرف الرواتب لموظفي القطاع العام، وما تخلّلها من استقطاعات متفاوتة ومرهقة بعضها وصل إلى مئات الشواقل، بذريعة تحصيل استحقاقات التيار الكهربائي. في غزة فوجئ عشرات آلاف الموظفين بالخصومات الكبيرة التي تم استقطاعها من رواتبهم بدون سابق إنذار وبالإضافة إلى أن الحكومة الفلسطينية في رام الله فعلياً تستقطع منذ آب 2010، من الموظفين مئة وسبعين شيقلاً شهرياً لتسديد فواتير الكهرباء.
وكما العادة، ما على الموظف يدفعه عنوة، وفوراً وما له يحتاج إلى أشهر وربما سنوات حتى يحصل عليه، فبعض الموظفين، له استحقاقات مالية على السلطة، وفق ميزان المدفوعات، والمصروفات التي تتعلق بفاتورة الكهرباء، لكنهم لا يعرفون سبيلاً لاسترجاعها.
التأخير في صرف الرواتب أمر مفهوم، وهو ليس متعمداً من قبل السلطة، ذلك أنه مرتبط بالأزمة المالية التي تعانيها السلطة بسبب الضغوط السياسية والمالية التي تقع عليها. الموظف مستعد لتحمّل تبعات مثل هذا التأخير المتكرر رغم أن البنوك لا ترحم، فالمعروف أن كل تأخير يكلف المقترضين رسوماً إضافية، وفي بعض الأحيان تلجأ البنوك أو بعضها إلى إعادة جدولة القروض بما يحمل المقترضين أعباء إضافية كبيرة وعلى الرغم أيضاً من أن المواطن يشكو من طبيعة الخدمات، وطريقة التعامل التي تدير بها البنوك عملياتها وتقدم من خلالها خدماتها للزبائن.
لا أرغب في هذا المقال أن أتقدم ببلاغ وأن أسرد الشكاوى الحقيقية التي يتكبد نتائجها الزبائن جراء التعامل المجحف من قبل البنوك العاملة في قطاع غزة، والتي ربما يحيلها مدراء البنوك إلى الحصار الإسرائيلي وآثاره على حركة النقد باتجاه القطاع.
عدا عن الإرباك الذي يترتب به تأخير صرف الرواتب، ومفاجأة الاستقطاعات المتفاوتة غير المفهومة، ثمة إرباك آخر ربما يكون محموداً هذه المرة، ويتصل بوقف صرف الرواتب بالوكالة. نفهم أن هذا الإجراء هدفه التأكد من وجود المستفيد الأول من الراتب، في قطاع غزة، حتى لو لم يكن لديه عمل يقوم به بسبب ما نجم عن الانقسام، ولكن هذا الإرباك يفتح على قضية أخرى، تنطوي على أهمية وتستدعي من الحكومة في رام الله، بذل جهد حقيقي إزاء مئات وربما آلاف الموظفين العموميين، الذين غادروا قطاع غزة إما بذريعة الوضع الذي نشأ عن الانقسام، وإما بذرائع الاستفادة من الوقت الضائع، للقيام بأعمال ذات مردود مالي في بلدان أخرى.
نعلم أن الحكومة قد فعلت ذلك سابقاً، ونقصد وقف وترقين قيود المئات إما لأسباب سياسية، أو لأسباب ترك مواقع العمل ولكن هذه العملية لم تستكمل بعد وثمة آلاف الموظفين من مدنيين وعسكريين غادروا قطاع غزة، منذ سنوات، إلى بلدان أخرى، للعمل، وبعضهم يحصل على مداخيل عالية، لا يحتاجون معها راتب السلطة الذي يتراكم في البنوك، أو يجري سحبه كل بضعة أشهر من خلال زيارة سريعة، أو من خلال التوكيلات التي تسمح بسحب هذه الرواتب وهي في الغالب طريقة للتحايل على السلطة. والحقيقة ما إن وصل خبر إلغاء التوكيلات في البنوك، حتى ضج معبر رفح بالعائدين لكي يجدوا طريقة، لتجاوز المعضلة، وضمان استمرار صرف الرواتب.
ثمة ظاهرة فوق ما تتركه من قلق وطني، فإنها تنطوي على شكل من أشكال الفساد والإفساد. بعد أن وقع الانقسام في حزيران 2007، هاجر آلاف من المواطنين وأكثرهم مع عائلاتهم، بذريعة أن الأوضاع في القطاع لم تعد تطاق وأن الانقسام الفلسطيني الذي ألحق أضراراً بليغة بالكثيرين، يخلق ظروفاً تسمح بانتهاك الحريات الإنسانية، وبملاحقة المعارضين الأمر الذي كان تسهل معه، قبول دخولهم إلى بلدان المهاجر الاسكندنافية. نفهم أن يبادر بعض الشباب إلى الهجرة بحثاً عن فرصة عمل في ظل ارتفاع نسب البطالة والفقر، وحتى في ضوء النتائج الكارثية للانقسام والحصار، ولكن من غير المفهوم إطلاقاً ولأي سبب من الأسباب أن تهاجر عائلات بكاملها، ومن موظفي السلطة الذين لا يخضعون للملاحقة من أي طرف، سواء كان هؤلاء متقاعدين أو ما زالوا مسجلين على قوائم الخدمة العامة.
ونلاحظ أن الكثير من هؤلاء من ذوي المرتّبات العالية، وهم إما مهاجر نعلم كيف تتكفل بهم الدول المضيفة، ويبحثون عن جنسية أخرى وعن استقرار، وعمل آخر، وإما غادروا للإقامة في بلدان عربية حيث تكفيهم مرتباتهم للعيش بمستوى جيد، أو غادروا إلى بعض هذه البلدان بحثاً عن العمل، فتتراكم مرتباتهم واستحقاقاتهم في البنوك بينما هم يتدبرون أمورهم بما يحصلون عليه من مداخيل نتيجة أعمالهم. والأنكى من ذلك أن بعض هؤلاء ناضلوا طويلاً حتى يعودوا إلى الوطن، فإذا بهم لا يطيقونه، ويرون أنه لا يتسع لهم، وبعضهم أيضاً مسجل على الوظيفة العامة، ويحصل على رواتب هو وزوجته وربما بعض أبنائه.
إن هؤلاء المتحايلين على القانون والفسدة، يدعون أن لهم استحقاقات على الوطن، وبأنهم آباء الوطنية الفلسطينية، لكنهم غير مستعدين لتحمل الحد الأدنى من أعباء الانتماء الوطني. ما يصرف لهؤلاء أموال مهدورة تستحقها مئات بل ربما آلاف العائلات المسجلة على قوائم الحالات الاجتماعية الصعبة، ولذلك على السلطة أن لا تكتفي بالإجراءات الأولية التي اتخذتها، بل إن عليها التدقيق بأكثر من طريقة وعبر السفارات، لوقف رواتب من لا يستحقونها وهم بالآلاف. في هذا الإطار نرى بأن ثمن الراتب إن لم يكن عملاً يقوم به الموظف العمومي، فعلى الأقل، بما تقتضيه حالة قطاع غزة، أن يصمد الموظف في وطنه طالما أن قضية الأرض والتمسك بها والصمود عليها هو أول الواجبات الوطنية، وأقلها استحقاقا على من يدعون الوطنية، فإن لم يفعل الموظف ذلك فإن الراتب ليس مكافأة على ما مضى من تواريخ وتجارب نضالية، إلاّ بالنسبة للشهداء والجرحى والأسرى.
أما بشأن قطع استحقاقات الكهرباء فإننا نستغرب في الأصل تدخل الحكومة في هذا الشأن لتحصيل استحقاقات شركة خاصة، لقد تغاضى الموظفون عن استقطاع مئة وسبعين شيكلاً، ولكن أن ترتفع المبالغ المستقطعة أكثر من ذلك فإن القانون ذاته سيصرخ لشدة الانتهاكات التي تلحق به.
حق للوطن يضيع، وحق يتم اغتصابه
تاريخ النشر : 2013-03-25 14:18
