معاقل التطرف تطوق القاهرة
تاريخ النشر : 2016-02-15 02:22

إذا كان خطرالإرهاب في سيناء قد تراجع، فإن مناطق أخري حول العاصمة تبدو خارج السيطرة الفعلية للدولة، وتعد معاقل للجماعات التكفيرية، من السهل أن تتحول إلي رفح جديدة أكثر اتساعا وخطورة.

القاهرة محاطة بقوس من معاقل الجماعات التكفيرية، يمتد من الفيوم إلي بني سويف والمنيا، وتمتد داخل حدود القاهرة الكبري من ريف الجيزة إلي القليوبية في شمال العاصمة.

جولة سريعة في تلك المناطق يمكن أن تكشف لنا مدي الخطر المحدق بنا، وإن كان يبدو السطح ساكنا أحيانا، فنفوذ الجماعات التكفيرية يشمل نواحي الحياة والخدمات المختلفة، بدءا من دور الحضانة التي يملكها ويدير معظمها متطرفون، حتي يتفتح الأطفال علي أفكارهم، بدءا من مفردات الأبجدية، مثل س (سواك)، وج (جهاد)، وك (كفار)، وحتي تلقينهم أن المسيحيين كفار وأن قتل الكفار فريضة، وغيرها من الأفكار التي تلتصق بعقول الصغار، ليظهر لنا جيل رضع من سموم التطرف، أما مراكز تحفيظ القرآن فهي محط عنايتهم، وفيها يفسرون السور والآيات وفق عقيدتهم، وهناك أيضا مراكز دروس خصوصية بأجر رمزي، تستغل فشل المدارس في التعليم، ويدرس فيها معلمون من الغلاة في التطرف، ومراكز صحية بأجر رمزي تستغل غياب العلاج في المستشفيات العامة، والتكلفة الباهظة في المستشفيات الخاصة، ومشاغل ومصانع للملابس وغيرها توفر فرص عمل للفقراء العاطلين، ويشرفون علي تزويج الشباب والفتيات، ويوفرون لهم مساكن بسيطة، ومحاكم عرفية بلا مصاريف أو محامين، تفصل في الخلافات بسرعة، وربما بإنصاف يصعب أن يصلوا إليه في القضاء العادي شديد البطء، والذي يضيع فيه الفقير، الذي يجهل القانون ويعجز عن دفع أجر لمحام كفء.

هكذا سنجد أحزمة الفقر المحيطة بالعاصمة تعج بأفكار وسلوكيات تشكل حاضنة مناسبة للإرهاب، وتغيب عنها الدولة، التي لا يرون منها سوي جباية الرسوم و تحرير المخالفات وحملات الشرطة.

لا نلتفت إلي خطر أحزمة التطرف إلا عند وقوع حادث إرهابي كبير، بينما لا يكترث المسئولون هناك بدروس الإرهاب في المساجد والزوايا، أو المضايقات اليومية التي يعاني منها المسيحيون في تلك المناطق، والتي أدت إلي عمليات تهجير لمسيحيين باعوا بيوتهم وأراضيهم في معاقل المتطرفين، ليسكنوا بجوار جيران مسيحيين، وهي ظاهرة خطيرة تشير إلي تصدعات وانقسامات، تركت بصماتها علي جغرافيا المدن والقري، وتكشف عن وجود أزمة عميقة ينبغي علاجها.

ولدينا رافد آخر للتطرف وهي جامعة الأزهر وفروعها والمعاهد الأزهرية المنتشرة في معظم المدن والقري، وأفرع الجامعة في المحافظات لا تقل خطورة عما شاهدناه في المقر الرئيسي لجامعة الأزهر في القاهرة، والتي كانت مركزا للفوضي والاشتباكات لعامين دراسيين، وجامعة الأزهر وفروعها تضم نحو 323 ألف طالب وطالبة، يشكلون 16.8% من إجمالي طلاب الجامعات المصرية. أما المعاهد الأزهرية فيبلغ عددها 8973 معهدا أزهريا، وتضم نحو مليون و600 ألف طالب وطالبة، ومن المعروف أن هذه المعاهد أصبحت مفرخة للتطرف، سواء من خلال المعلمين الذين يتبني الكثير منهم أفكار الجماعات المتطرفة، أو المناهج الدراسية في مواد الفقه والتفسير وغيرها، ولا نعرف سببا وجيها لعدم ضم هذه المعاهد إلي وزارة التربية والتعليم، وهو الأمر الطبيعي، فلا توجد دولة لديها كل هذه الأنواع المختلفة من التعليم، فلدينا التعليم الديني والحكومي والخاص والأجنبي، وكأننا نتعمد بذر الشقاق في المجتمع، وبناء أسوار بين أبنائه.

وإذا كانت أجهزتنا الأمنية ترصد وتضيق علي بضع جمعيات حقوقية أو جماعات سياسية صغيرة عالية الصوت تتلقي تمويلا أجنبيا، فإن هناك مئات الجمعيات الخيرية والجماعات السلفية التي تتلقي تمويلا أضخم بكثير من جهات وشخصيات عربية، لتغذي التطرف والإرهاب في مصر،من خلال تقديم خدمات للفقراء في مناطق تغيب فيها الدولة، ويبدو أن معظم المسئولين لا يدركون مدي خطورة هذه الشبكة الحاضنة والمفرخة للإرهاب، بل يرحب البعض بها، بوصفها تقدم خدمات تخفف العبء عن كاهل الدولة، بينما سندفع ثمن هذه الأنشطة من أمننا واستقلالنا.

لقد صدر قانون يشدد العقوبات في جرائم التمويل الأجنبي، لكنه كالعادة جاء مليئا بالعبارات الفضفاضة، والثغرات التي تجعل من الممكن التغاضي عن تمويله واعتباره مشروعا، وتجريم آخر واعتباره ممنوعا، ومازالت معظم الجمعيات الخيرية التي تديرها جماعات سلفية تعمل بكل حرية، بل تواصل توسعها بلا رقابة أو مساءلة عن مصادر تمويلها، ولا نعرف سر هذا التساهل مع جماعات سلفية تتلقي تمويلا أجنبيا، فهل النشاط السلفي أقل خطرا من المنظمات العاملة في مجال حقوق الإنسان مثلا؟

لا تغرنا النتائج الهزيلة التي حققها السلفيون في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، فبعض السلفيين قاطعوا الانتخابات، وعادوا ليكفروا العمل السياسي العام والمشاركة في الانتخابات، ويقاطعون مؤسسات الدولة التي يصفونها بالكافرة، ويكرسون كل جهدهم علي تربية وتخريج أجيال من المتشددين، ويعملون بدأب في المناطق الفقيرة والمهمشة والعشوائيات التي تزداد كثرة وازدحاما في القاهرة والمدن الكبيرة وهم فئة تفوق جماعة الإخوان خطورة وتشددا.

كما لا يغرنا أن معظم التكفيريين يتجنبون الآن الصدام مع الدولة، لأنهم يمهدون الأرض بهدوء أمام إرهاب قد يهدم أعمدة الدولة، ولو بعد حين.