وعي غير قابل للكي
تاريخ النشر : 2016-02-05 23:11

لم أكتب حرفا واحدا في هجاء مدير مخابرات السلطة الفلسطينية ماجد فرج، ولم أتحمس إطلاقا للتعليق على اعترافاته العلنية الأخيرة والخطيرة وتباهيه بنجاح جهازه الأمني في إحباط مئتي عملية ضد الاحتلال الإسرائيلي. بل إنني شعرت بالإحباط والخجل من سطحية التحليل وأنا أقرأ مقالات الكتاب المتحمسين الذين انخرطوا في حملة الهجوم على فرج، وكأن رئيس المخابرات يتحمل وحده مسؤولية القمع والاعتقالات وحصار الموجة الجديدة للحراك الانتفاضي الفلسطيني ضد الاحتلال.
في الواقع، احترمت صراحة الرجل وانسجامه مع نفسه ومع المشروع التسووي الذي جند نفسه لخدمته ومع السلطة التي يتحمل جزءا من مسؤولية تمكينها وتأصيل نهجها الأوسلوي.
وكنت أتابع الحملة على فرج وأتساءل: كيف يمكن أن يكون المرء مع المشروع التسووي وضد قمع الانتفاضة؟ وكيف يمكن أن يقبل الفلسطيني بهذه النسخة من النظام الحاكم (في رام الله) والنسخة الأخرى (في غزة) وأن يكون ضد أداء أدوات النسختين؟ وماذا يتوقع الكتاب المتحمسون من الأجهزة الأمنية في رام الله وغزة غير هذا الأداء الفاعل في حماية الاحتلال التزاما بالاتفاقات المعلنة والتنسيق الخفي بين إسرائيل وشركائها في المفاوضات.. وفي الدردشات؟
ثم، وهذا هو مربط الفرس (أو البغل في الزمن العربي البهيمي) كيف يمكن الانقضاض على ماجد فرج والولاء لمحمود عباس؟ ولماذا يتحمس البعض للهجوم على غازي حمد الذي اعترف أن حماس أبلغت الأتراك والقطريين أنها ليست في وارد أي مواجهة مع إسرائيل، ويظل خالد مشعل “أميرا للمجاهدين”؟
الأصل أن ينبري هؤلاء في الدفاع عن مشروع المقاومة، وعن حق الناس في الخروج عن النص التسووي الكارثي الذي يستمد شرعية نظرية من التوقيع على اتفاقيات “السلام” والتنسيق الأمني القائم في الضفة وفي غزة أيضا.
والأصل أن نكتب عن التقاسم الوظيفي بين سلطتي رام الله وغزة في خدمة الاحتلال وتحمل كلفه وترسيخه كأمر واقع في البلاد وفي نفوس العباد.
كان ينبغي، منذ زمن بعيد، وليس بعد اعترافات رجل الأمن العباسي، العمل على وقف التنسيق الأمني مع الاحتلال وفضح مساوئه، وربما حان الوقت لفض الاشتباك المحير بين الموقف “الثوري” المعلن لبعض رموز النخب والارتباط المصلحي الخفي مع النظام الذي يمثل الرجعية السياسية في رام الله أو شركائه الذين يمثلون الرجعية الدينية في غزة.
بالطبع، لا يندرج هذا التوصيف على جميع مكونات النظامين، فهناك أنقياء وأبرياء في الأطر والتشكيلات، لكن الذي يختار البقاء في الموقع الآن يشارك، دون قصد، في جريمة العبث والتشويه التي يتعرض لها الفلسطينيون في الداخل والخارج، ويشارك في التآمر على الإرث الثوري الذي صنعه الأوائل بالموقف الوطني ورسخه الفلسطينيون بالدم.
ومن لا يرى التناقض الصارخ بين مواقف النظام وأدائه ومواقف الفصائل وأدائها المخجل من جهة وبين مواقف الشارع الفلسطيني وأدائه المبهر من جهة أخرى يظل أسيرا للوهم والضلال التسووي القائم على أكذوبة التسوية العادلة.
المتشاركون في النظام الفلسطيني بشقيه الضفاوي والغزي هم جزء من النظام الرسمي العربي الذي يعتز بعجزه ويفخر بتبعيته للمشروع الأمريكي في المنطقة، ولا يختلف حلفاء عباس عن حلفاء مشعل في هذا السياق.
حان الوقت لكي يخرج الكتاب ورموز النخب الفلسطينية من قواقعهم، ففي زمن الدم يصير عيبا الوقوف تحت المظلات المثقوبة.
ندعو لبعض الخجل أمام الدم، ورؤية فلسطين بعيون صافية وليس من خلال الآلات الحاسبة. وندعو لبعض الوضوح.. وليس أوضح من دم المنتفضين الذين يثبتون الآن بؤس رؤية موشي يعالون ونظرائه الفلسطينيين والعرب بإمكانية كي الوعي الفلسطيني.. فهذا الوعي غير قابل للكي.
عن "رأي اليوم" الالكترونية