مع اكتمال مشهد تدمير التراث الحقيقي للحجاز والجزيرة العربية، دُشِّن أمس «مهرجان الجنادرية» السنوي الترويجي للثقافة النجدية الوهابية، في محاولة مستمرة لفرضها على مكونات الشعب المختلفة، وتثبيت فكرة الخارج عن كون دولة آل سعود ليست سوى أرض ذكورية، مليئة بالشيوخ والنفط والأمجاد التي قامت على السيف والحروب. ومن جديد، انتقلت طبول الحرب السعودية ضد طهران من حلبة السياسة ودواوين الأمراء إلى منصات المهرجانات الثقافية.
حرب بدأت مع أول طلقة رصاص على اليمن، انبرى معها الكتاب ورجال الدين وشعراء آل سعود في انشاء المدائح في «ملك الحزم» ورأس الحربة ضد «الغزو الفارسي» للمنطقة العربية.
على الضفة النجدية، اصطفت الوفود الخليجية يرافقها ضيف شرف المهرجان الألماني فرانك شتاينماير، في مدرجات الجنادرية الوطني للتراث والثقافة بنسخته الـ 30. «الحرس الوطني» هو الراعي الرسمي للمهرجان منذ تأسيسه عام 1985 ويهتم حسب النبذة التعريفية بتأصيل الموروث الوطني. لكن المملكة الوهابية راحت تستعرض حقدها بالقصائد الحماسية المفخخة بالتكفير والطائفية وتمجيد الحروب، والتغزل بسيف الملك المسلط على رقاب «خبيثين الهواء والهوية» وسط هتافات وتصفيق الحضور المختار بعناية.
الحفل الذي يخصص سنوياً لاستعراض حكم الملوك السعوديين وتراثهم الصحراوي، بدأ مع الرائد في «الحرس» مشعل الحارثي الذي ألقى قصيدة حيا فيها حزم سلمان، مستذكراً أفضاله على اليمن وسوريا وتكوينه التحالفات العسكرية «السنية» ضد الجارة «الشيعية»، واصفاً الملك الثمانيني بـ «محيي ذكر ذي قار والقادسية»، الذي أمر جنوده بمحاربة دولة الدجل فارس من قواعده العسكرية في الجنوب، وهو مسترخ يشرب فنجان قهوته «الشاذلية»، أو كما اختتمها الشاعر ذو البوط العسكري بالقول: «خلت عدو الدين يخضع لها إذلال... تحت القدم يا الدولة الفارسية».
عبر توظيف القومية السياسية والمذهبية الدينية، تباكى الحارثي على قلة حيلة الملك العجوز في ما يحصل في العراق وليبيا وسوريا وفلسطين، متناسياً فتاوى التكفير والتحريض على الجهاد، المخصصة لإعداد جيوش التكفيريين السعوديين التي زرعت الخراب في تلك الدول، عدا تحالفات المملكة الخفية مع دولة الاحتلال الإسرائيلي في السر والعلن.
من جهتها، وجهت أحزاب المعارضة الألمانية انتقادات حادة إلى وزير خارجيتها شتاينماير بسبب مشاركته في مهرجانات مرحة تضفي «شرعية على ديكتاتورية قطع الرأس السعودية» وفق رئيسة الكتلة البرلمانية لحزب «اليسار» سارا فاغنكنشت، واصفة مشاركة الوزير بـ «الإفلاس الأخلاقي».
المهرجان الذي يتهافت عليه ملوك العرب والغرب من أجل عيون الحليف النفطي، وصفه العام الماضي رجل الدين المتطرف محمد العريفي في تغريدة له على صفحته على تويتر: «ما يقع في الجنادرية من منكرات، واستخفاف بفتاوى العلماء، وجرأة على الناصحين، مع رقص وغناء وإخواننا يُذبحون بالشام، لا يليق بقِبلة المسلمين». حكام قبلة المسلمين الذين انتقدهم العريفي، يتم التهليل لهم هذا العام ، خاصة كون آل سعود يستخدمون المهرجان السنوي لقياس ولاء مواطنيهم، والذين قد يتم تحويلهم مع الخطاب المعجون بالصبغة الطائفية وقوداً للفتنة الجديدة.
عن "الاخبار" اللبنانية
