أخيراً أتيح لنا أن نقرأ أشرف فياض. لا أحجم عن القول أنني أحببت شعره. نحن أمام شاعر وشاعر حقيقي وعلينا أن نكون معه كشعراء وكأهل ثقافة وكأهل رأي وكأهل فكر وبالتالي كديموقراطيين من كل مكان.
أخيراً نجحت الحملة المساندة لأشرف في رفع حكم الإعدام عنه. بالطبع لن يكون هناك اعتذار، لن يكون هناك تفسير، لقد أبدل حكم الإعدام بالسجن ثماني سنوات وبالجلد ثمانمئة جلدة على دفعات. تغيّر الشكل ولا يزال المضمون نفسه. لن يعدم أشرف فياض وهذا بالطبع انتصار للحملة العالمية المساندة له، لكنه بقي في السجن بالتهمة نفسها والسبب نفسه والحجة نفسها. انها قذف العرش الذي اعتبر العرش الإلهي، هي مسؤوليته عن قصيدة يمكن أن تقرأ على أكثر من وجه. انها التهمة التي لم يعدم من أجلها الرازي في عز الحكم الإسلامي، ولم يعدم من أجلها أبو نواس، الذي جدف كثيراً، ولم يعدم من أجلها هراطقة وملاحدة معروفون في وقت كان الإسلام فيه دستور الإمبراطورية.
رفع حكم الإعدام واستبدل بالسجن والجلد نقول، رغم حرصنا على حياة أشرف فياض، أن هذا لم يكن وحده هدف الحملة. نقول أن الحكم لم يتغير إلا في الدرجة ولا زال كما هو وكما اعتبرناه، وحشياً بربرياً متعسفاً جاهلاً. إن ثماني سنوات في السجن وتهشيم جسد أشرف فياض بالجلد حتى 800 جلدة حكم فظيع وتعذيب حقيقي وعسف صرف. لقد رفع حكم الإعدام لكنه استبدل فقط بغيره، رفع لكنه استبدل بما لا يقل قساوة عنه. وبما لا يختلف عنه في معناه وفي مضمونه. فهنا وهناك لا زلنا في المطرح نفسه ولا زالت المسألة هي نفسها.
قامت حملة عالمية من أجل أشرف فياض، قُرأ شعره في أنحاء شتى من العالم وبلغات شتى. شاركنا نحن هنا في الحملة وقرأنا من شعر أشرف الذي تذوقنا جماله. رأينا كم أنه شعر لماح ومتين وغني. قامت الحملة انتصاراً لشاعر يغتال من أجل قصيدة. صدع حكام السعودية للحملة ولكن الإدانة بقيت قائمة، صدعوا للحملة لكن القضية بقيت نفسها. بقيت التهمة ذاتها والإدانة عينها. كانت الحملة انتصاراً لأشرف فياض لكنها كانت أيضاً انتصاراً لحرية الرأي وحرية الإبداع وحرية الإنسان عموماً، وها رضخت الدولة للحملة، بالمقدار الذي يناسبها. المقدار الذي لا يشكك في أحقية الحكم، ولا يراجع أسس القضية ولا يتنازل لحرية الرأي وحرية الإبداع. بقي الحكم ومبرراته وأسسه وأسبابه ولكن بصيغة أخرى. لم تعتذر الدولة عن حبس شاعر، ولم تسلّم بأن القصيدة لا يجوز أن تحبس في قفص، وبالطبع لم تسلم بحرية الإبداع ولا حرية الرأي. ما صنعته كان لتهدئة الرأي العام، لكن شيئاً لم يتغير. ما زال السجن مفتوحاً لأمثال أشرف فياض ولا زال الاغتيال ينتظرهم ما أن يفتحوا أفواههم وما أن يتكلموا لذا يجب على الحملة أن تبقى وأن لا تكتفي برفع الإعدام فليس ذلك أكثر من تحايل ينبغي فضحه.
ينبغي على الحملة أن تستمر لكي لا تكسب الدولة السعودية من حيث لم تفعل شيئاً ولا تستحق. ينبغي أن تبقى الحملة وأن يتبدل احتجاجها من رفض الإعدام إلى رفض السجن والجلد ومن شعار لا لإعدام أشرف فياض إلى شعار الحرية الكاملة لأشرف فياض. الإعدام بربري لكنه لا يقل بربرية عن الجلد والسجن ليس أقل دلالة من الموت.
