أخيرا، أُعلن عن رفع العقوبات الدولية عن النظام الإيراني، بعد معركة دبلوماسية واقتصادية طويلة نسبيا، مقايضة وصفقة جاءت تتويجا للدبلوماسيتين الأميركية والإيرانية، اللتين تستطيع كل منهما ادعاء الفوز والنجاح. تستطيع إدارة أوباما الاعتقاد بأنها وضعت النووي الإيراني تحت الضبط والربط والرقابة والوصاية، بما يضمن عدم وصول إيران الى السلاح النووي في المدى القريب والمتوسط. والالتزام الإيراني ببنود الاتفاق المحكمة الصنع الذي تحققت منه وأجازته منظمة الطاقة الدولية، تترافق مع وضع آلية تسمح بالتحقق من الالتزام الإيراني، وتسمح بالعودة الى العقوبات والى اللجوء للقوة، وبهذا المعنى فإن إزالة أو تجميد الخطر النووي الإيراني من وجهة النظر الأميركية - الغربية لها ما يسندها في البنود وفي الآلية. الأهم من ذلك، ان عنصر الالتقاء غير المعلن الذي تسبب في توفير ثقة متبادلة بين الموقعين على الاتفاق، هو قبول واعتراف إيران بالمصالح الحيوية الأميركية - الغربية في المنطقة، ذلك الإقرار الذي لم يكن مفاجئا بل جاء كحصيلة للتعاون المشترك في أفغانستان والعراق، ولتفهم الأدوار المتعارضة والمتوافقة في سورية ولبنان واليمن. القبول بالمصالح وأشكال التعاون والتحالف غير المعلن في معارك إعادة السيطرة على الإقليم يعبر عن "مصالح" مشتركة بين إيران والغرب، ويكشف ان إيران لا تعمل وليس من مصلحتها ان تعمل ضد علاقات تبعية دول المنطقة اقتصاديا وامنيا للغرب، وتلك نقطة التقاء جوهرية، لها تطبيقات يمكن رؤيتها في عداء الطرفين للثورات الشعبية وفي عملهما الصريح والمتواصل من اجل إلحاق الهزيمة بها. هل يوجد ما يهدد نقطة الالتقاء الجوهرية، وبأي مستوى؟ هناك من يراهن على احتمال قيام الحزب الجمهوري الأميركي بالقطع مع الاتفاق وبإعادة الأمور الى ما قبل الاتفاق وتجديد سياسة المقاطعة ووضع احتمال اللجوء للقوة على بساط البحث، إن حظ النجاح لمثل هذا الاحتمال ضعيف ومحدود، حتى مع نجاح الجمهوريين فإن السياسات التي تخص المصالح الحيوية للولايات المتحدة واحدة لدى الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء، قد يتشدد الجمهوريون لكنهم لا يستطيعون الانقلاب على سياسات تمس المصالح الحيوية لأميركا. سياسة نتنياهو الصقرية التي قاومت وعملت كل ما بوسعها لإفشال الاتفاق بالتحالف مع الجمهوريين، أخفقت في أهدافها وتهويماتها المعلنة، لكن وفي واقع الحال فقد شارك نتنياهو بخبرائه في وضع بنود الاتفاق، في الوقت الذي وظف معارضته في ابتزاز الإدارة الأميركية لمعاظمة ترسانة إسرائيل العسكرية، ولدفع إدارة أوباما غض الطرف عن استباحته للأرض والحقوق الفلسطينية، وسيستمر نتنياهو في اعتماد سياسة الابتزاز ما بعد التوقيع على الاتفاق بغية جلب المكاسب المالية والعسكرية والسياسية، دون ان ترقى تلك السياسة الى مستوى إفشال الاتفاق، وهذا تقريبا، ما سيتمخض عنه موقف الجمهوريين في حال نجاحهم. وهل يوجد في الجانب الإيراني ما يهدد نقطة الالتقاء الجوهرية بين إيران والغرب؟ هناك من يراهن على قيام الاتجاه المحافظ بقلب الطاولة والتراجع عن الاتفاق، وذلك عندما يُستخدم الاتفاق في بناء نفوذ جماهيري متعاظم وقاعدة اجتماعية قوية للمعتدلين الذين يمثلهم "روحاني وظريف"، تضم البازار والطبقة الوسطى وأجيالا جديدة من النساء والشابات والشبان، وفي دعم الغرب لهذا الاتجاه ودفعه نحو مزيد من الانفتاح والبناء واعتماد السياسة النيوليبرالية الاقتصادية من اجل التلاؤم والانسجام مع علاقات السيطرة الجديدة، ومع الأدوار الإقليمية الجديدة. ما يمكن قوله ان الاتجاه المحافظ افلس منذ وقت طويل وساهم في دفع إيران الى العزلة والحصار والعقوبات التي ألحقت خسائر فادحة بالشعب الإيراني، غير ان السياسة النيوليبرالية لن تجلب للشعب الإيراني السمن والعسل، ولن تكون نتائجها في إيران معاكسة لنتائجها في الأماكن الأخرى. في غياب الديمقراطية، ومنع وحرمان الفئات الشعبية الأوسع وتمثيلاتها السياسية والنقابية والمهنية، من المشاركة في البناء، وفي التطور المستقل عن علاقات التبعية، فإن النظام الإيراني بممانعيه ومعتدليه لن يخرج عن طاعة المركز المهيمن، وفي احسن الأحوال سيبحث عن مركز آخر اقل هيمنة كـ"روسيا" مثلا. إدارة أوباما من الرابحين، وقد نجحت في استئناس الاتجاه المعتدل والليبرالي الإيراني، وضمته الى الاوركسترا التي يقودها مايسترو أميركي، وإيران بقيادة روحاني من الرابحين وقد أصبحت لاعبا أفليميا معترفا بها وبأدوارها بما لا يتعارض مع المصالح الحيوية الأميركية، وإسرائيل نتنياهو من الرابحين وقد قبضت أثمانا مضاعفة وحافظت على دورها ونفوذها الإقليمي، بإضافة حلفاء جدد من الخائفين، وحافظت على دورها الابتزازي، وحققت مكسبا إضافيا متمثلا بالتنصل من أي استحقاق للعملية السياسية، بل وبإدامة احتلال الأرض الفلسطينية واستباحتها بالاستيطان. أما الخاسرون فيقف في مقدمتهم النظام العربي بقيادة السعودية، هذا النظام الذي ظل منضبطا لعلاقات التبعية، وحاميا للمصالح الحيوية الأميركية، وملتزما باستراتيجياتها في المنطقة، وفي مقدمتها التسليم بإسرائيل كدولة إقليمية عظمى، هذا النظام "خرج من المولد بلا حمص" كما يقول المثل الشعبي، لم يعد له وزن وقيمة إقليمية لأنه منضبط وفي "الجيبة الأميركية"، وعندما حاول تحسين موقعه الإقليمي، تنافس مع إيران، ليس من موقع الابتعاد عن علاقات التبعية، بل من موقع التسليم بها وتعزيزها عبر مذهبية دينية تعصف بمصالح الشعوب وحاجاتها الفعلية للخبز والحرية والكرامة، لقد دخل النظام العربي المعركة من على يمين النظام الإيراني، وفي هذا المجال قدم النظام العربي نموذجا بائسا ومنفرا في احتواء المعارضة السورية واليمنية والليبية، وفي خنق الثورة الشعبية الديمقراطية داخل تلك البلدان وداخل مصر، وفي استبدالها بفصائل الإسلام السياسي الذي يتبع قرار الدول النافذة في النظام العربي. السلطة والمنظمة وحركتا حماس والجهاد الإسلامي من اكثر الخاسرين، فقد وضعت قضية الاحتلال الإسرائيلي في الأدراج، وسمح لحكومة نتنياهو احتكار القضية الفلسطينية ليس من على طاولة المفاوضات، وإنما من خارجها، واصبح الموقف الفلسطيني ملحقا بموقف النظام العربي بمواصفاته الجديدة اكثر من أي وقت مضى، بعد الاتفاق لم تعد إيران بحاجة إلى ورقة "المقاومة" الفلسطينية، ضد إسرائيل، بل أصبحت بحاجة إليها في صراعها المذهبي ضد السعودية [email protected]
الرابحون والخاسرون في اتفاق فينا النووي
تاريخ النشر : 2016-01-19 08:29
