كانت لي قصة يمكن أن أحكيها لأولادي، وكان لي بيت بوسعي أن أترنح في مساحته الصغيرة وأنا أقرأ رواية أو قصيدة لشاعر مغمور، أو أن أضحك فقط بصوت مرتفع بينما أرنم قصة لتشيخوف.. هذه الأشياء لم تعد موجودة، ولم يعد لي رفاهية التفكير بها، إلا على صعيد الذكريات.. وبقي لي بضع أمور سأقولها لكل شخص ألتقيه، كأن أكذب عليه أنه كان لدي ديوان شعري جاهز للطباعة ولم أطبعه، ولكوني هربت مع أسرتي من القذائف واطلاق النار، تركت كل شيء هناك في مخيم اليرموك، كما تركت عشرات الرسائل بيني وبين الأصدقاء والصديقات... ربما احترق كل شيء.
وقد أكذب أيضاً بأنه مكتبتي الجميلة ضمت عشرات الكتب التي أحب، ولكن أرباب الحرب تدفأوا عليها، فأوقدوها حطباً لجهلهم.
سأكذب مجدداً حين أردد على مسامع بعض من ألتقيهم، أنه كان لي في دمشق أصدقاء كثر، وأني كنت أدخن كثيراً جوار نهر بردى الجاف إلى حد ما، وكنت أشاهد الجرذان تلعب في مجراه أمام المعرض القديم، وسأقول لهم ولو كذباً أيضاً عن المتحف الوطني، وسأطلب منهم للمبالغة أن يسألوا عمار النادل في الكافتيريا هناك، عن جلساتي الشاعرية، والكتب التي كنت أحملها هناك للقراءة أو للفت نظر فتاة معينة.
ما سلف كان حقيقة، ولكن علي أن أكذب قليلاً أو كثيراً، لأروض الحلم من جديد، لأدعه يمتطي شهوة حياة أخرى، لصنع اليوم والغد والذاكرة...
هذا حال الهاربين من الحروب، عادة ما تكون المبالغة سمة لهم، وكثيراً ما يحاولون تبرير هروبهم بويلات الحرب الكثيرة، ربما لأن ضمائرهم كانت تريد منهم البقاء.
لماذا هذه المقدمة السخيفة؟!
ربما هي ليست مقدمة، ولا سخيفة، هي مجرد محاولة لسرد أفكار متضاربة عن كوني لاجئاً ومهاجراً وغريباً، وكنت شبه مواطن.
ربما أيضاً، وهو السبب الأرجح، أنه في الآونة الأخيرة، جرى حديث عن احتمال عودة المخيم لأهله، من محاصريه ومحتليه، فسعدت وفرحت.
سعدت وفرحت، لأن بعودة اليرموك ربما سيكون لي مكان أعود إليه، هو أبرز مكان يشكل حالة ما تشبه الوطن، أو أنه يصلح لأن تضاف ليه "ياء" فيصبح مكاني أو وطني... ورغم أني قد أهاجر قريباً إلى أوروبا، إلا أنني لا أشعر أن لي مكاناً آخر سوى اليرموك.
وفلسطين، لا أعرف هي ليست مكاني حتى يخرج المخربون اليهود منها، بالسكين بالمفاوضات بالبنادق والصواريخ، بالقرود، لست مهتماً، إلا أنها الآن بلادي مع وقف التنفيذ، بلادي مع كثير من المشاعر والكذب على اللحى.
مقدمتي الجميلة جداً، والسخيفة جداً، ضرورة جمالية لحال شخص بات يريد أن يرى نفسه بصورة جديدة، غير تلك المأساوية، كثيرة الندب واللطم، وتحميل المسؤوليات.. لذا أتسلى وأكذب وأصدق وأمزح وأمرح وأسخر من نفسي ومن كتابتي.
أفعل ما يحلو لي، من دون تذكر هويتي الفلسطينية المحتلة بسجوني الكثيرة وأقفالي العديدة، وقنابلي التي تنفجر كل ثانية، مع كل اعتصام جديد ضد الأونروا الفاسدة، من دون أن يتجرأ فلسطيني واحد على الاعتصام ضد فصائل "المقاومة" المسؤولة عن عودتهم وتحرير أراضيهم.
أجرب أن أكتب ما أكتب لأعرف أكثر، أيهم السهلي الفلسطيني اللاجئ صاحب الحق بالعودة إلى فلسطين، والذي يجلس كمعظم الشعب الفلسطيني صامتاً أمام الواقع الحقير، ومثل معظم الشعب أيضاً يبكي ويتأمل ويتحسر، ولا يفعل أي شيء حقيقي لتحقيق هذه العودة إلى قرية بلد الشيخ قضاء حيفا.
وبعد أن قلت بعض ما أريد، فلا بد من ختام أكثر رصانة وجدية، وأقتبسه من كتاب "في خضم الحياة" للحقوقي الفلسطيني والكاتب الراحل محمد عياش ملحم «كان مصيره (الشعب الفلسطيني) ومصير وطنه ومستقبله يتقرر على يد غيره دون علمه أو موافقته، فكان الغائب الحاضر والضحية التي تتحمل المأساة عند وقوع الحدث أو بعده وكان الخاسر لنفسه وتراثه ومستقبله بعد ان حُرم من حق الاستقرار، ولحق التزييف والنهب والتزوير حتى مأكله وملبسه وتراثه».
