2015 عام التوحش !
تاريخ النشر : 2016-01-05 08:21

كم كان ثقيلا ومتوحشا العام 2015 منذ بدايته وحتى نهايته! وكما يقول الحكماء، إن الازمات الشديدة تكشف للعلن الصفات الجيدة والأخلاقية عند البشر، وتكشف في الوقت نفسه الصفات البشعة والمتوحشة لديهم. 
ينطبق ذلك على الدول والمجتمعات، بيت القصيد، جاء في العام 2015 على هيئته، توحش النظام الدولي، وإيغاله في تدمير بلدان، وتشريد شعوب، والقتل بالجملة، وفي جلب العذاب والمعاناة والجوع والمذلة لشعوب وشعوب، كان الشعب السوري أكثرها ضررا، وأكثرها خسارة بفعل صراع كبار النافذين في الإقليم وفي العالم على حصصهم وغنائمهم وركائزهم. 
توحش يحارب توحشا، توحش الأصولية التكفيرية، وتوحش دول عظمى، من أنتج من؟ لا يهم معرفة ذلك، لكن التوحشين من زاوية مصالح الشعوب هما وجهان لعملة واحدة. 
العام 2015 هو العام الثامن على انفجار الأزمة الاقتصادية في مراكز الرأسمالية، وقد ارتفعت معدلات البطالة أكثر فأكثر، وازدادت نسبة الفقر أكثر فأكثر، واشتعلت الحروب اكثر فأكثر. 
قبل الازمة أُخضعت شعوب العالم لشروط وإملاءات صندوق النقد والبنك الدوليين، بعد الازمة تعرضت دول وشعوب لحروب النهب وتقاسم النفوذ وجني الارباح، وكان من اللافت ان الحرب ضد جماعات الارهاب الاصولي التكفيري الموجهة ضد الشعوب وضد مبدأ الدولة، ما هي إلا حرب إرهاب الدولة الممارس من قِبَل مجموعات من الدول  ليضاف إلى إرهاب الجماعات والتنظيمات وزادته قوة لتصبح الشعوب أمام إرهاب مركب، ذلك الإرهاب الذي فكك الدولة لمصلحة طُغَم وسلطات وقبائل وطوائف مستبدة. 
البعض ميّز التدخل الروسي وحربه الاشد باعتباره جاء ليجتث الارهاب ويحمي الدولة السورية من الانهيار، ويحافظ على مؤسسة الجيش. 
لكن واقع الحال أن الحرب الروسية شنت ضد كل معارضي النظام الاصوليين منهم وغير الاصوليين، وأعلن قادتها ان هدفهم الحفاظ على نظام الحكم الذي مسخ الدولة وحولها الى سلطة مستبدة دائمة الى ما لا نهاية. وعوضا عن توفير أي شكل من اشكال الحماية للمدنيين، فقد نالت الحرب الروسية من المدنيين قتلا وتشريدا، ولم يختلف التدخل الروسي عن غيره من التدخلات الامبريالية بما في ذلك التدخل الاسرائيلي.
ولأنه لا يختلف مع تلك التدخلات، فقد توافق قادتها على استبقاء النظام ورموزه، وعلى تقاسم المواقع والحصص، وعلى مفاقمة حالة المعاناة والقهر والعذاب والتشرد والموت التي تعيشها الشعوب. إنه التوحش الذي لا يقيم وزنا لحياة البشر وعذاباتهم وانسانيتهم.
الكثير من الدول الاوروبية لم تسلم من التوحش، عندما اكتفت بدور ما بين مراقب صامت، وتابع للموقف الاميركي، لم تحاول الدول الاوروبية العمل الجدي لوقف نزف الدماء ووقف عذاب التشرد والجوع، لكنها وعلى وقع التدفق الجزئي للاجئين إلى بلدانها ارتفع صوتها الهادر ضد اللاجئين وخطرهم ومشكلاتهم. 
بعض الدول أغلق الحدود والبعض الآخر ترك اللاجئين يغرقون في البحار، ودول اخرى وضعت اللاجئين في معسكرات، وقلة قليلة من الدول تضامنت واحترمت حق البشر في الحياة وفي الخروج من تهديد الموت والحرب. الدول التي ضاقت ذرعا باللاجئين، والدول التي لم تحاول وقف الحرب وويلاتها وتأمين الحماية للشعوب المنكوبة، فإنها تنال عضوية العالم المتوحش بجدارة واقتدار.
كم كان النظام الدولي متوحشا بامتياز!  وكم كانت هيئة الامم المتحدة (دولة العالم المركزية) هشة وعاجزة عن تأمين الحماية للشعوب المنكوبة بالاستبداد وبالاصوليات، عاجزة عن إنهاء الاحتلال والاستيطان الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية والسورية وعاجزة عن احترام ميثاقها ومنظومات الاتفاقات والمعاهدات الناظمة لعملها. 
وما كان للنظام المتوحش أن ينال من الشعوب ويشعل هذا الكم من الحروب، دون تعطيل عمل الأمم المتحدة وميثاقها، دون أن ينال من (دولة العالم المركزية) ويحولها إلى سلطة  في جيوب الكبار، تماما كما نال النظام المستبد من الدولة الوطنية وحولها إلى سلطة لحساب طغمة فاسدة مستبدة. 
في هذا السياق من المهم تمييز مواقف بعض الدول التي ظلت امينة على منظومة القيم والمبادئ في مقدمتها البرازيل التي رفضت اعتماد مستوطن اسرائيلي كسفير لدولة الاحتلال في البرازيل. 
كان موقفا شجاعا رمزيا ومعنويا وأخلاقيا لا يقدر بثمن، في الوقت الذي تتهافت فيه دول عربية لخطب ود دولة المستوطنين، وتفتتح لها مكاتب تمثيل علنية وسرية، أو تعيد سفيرها إلى تل أبيب، في أوج تطرف دولة الاحتلال، وبالترافق مع إعلانها الصريح عن إدامة احتلالها للاراضي الفلسطينية اعتمادا على «الحق التاريخي» التوراتي كبديل للقانون الدولي. 
مواقف السويد والفاتيكان وجنوب افريقيا والعدد الاكبر من دول اميركا اللاتينية، والمنظمات الدولية كمجلس حقوق الانسان، تلك المواقف التي لا تقل أهمية عن موقف البرازيل. 
كم كانت دولة الاحتلال الاسرائيلي متوحشة، بالاستيطان والتطهير العرقي في القدس و60% من أراضي الضفة الغربية، وبمنظومة القوانين العنصرية، وبالتحكم الشامل في شؤون شعب آخر، وبحكومة الائتلاف التي يتحكم في قراراتها الاصوليتان الدينية والقومية وايديولوجيا التطرف. سياسة فرض الوقائع على الارض، ومجمل السياسة الكولونيالية الاقصائية، والاستيطان والتهويد الزاحفين، الذي انبنى على خلق مصالح لفئات واسعة من المجتمع الاسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة ولمؤسسات اهمها المؤسسة الامنية ومؤسسات عقارية وتجارية وأصحاب مشاريع زراعية وصناعية، وكل ذلك استند إلى ايديولوجيا دينية تعصبية جرى إحياؤها وشحذها ومزاوجتها بخبرات المافيا اليهودية الروسية. 
ان خلق وبناء المصالح قاد إلى قبول أكثرية المجتمع الاسرائيلي ببقاء الاحتلال وبدعم الاستيطان، و»الجميع مقتنعون أن منظمات حقوق الانسان ضارة» كما يقول جدعون ليفي، كما ان خلق وبناء المصالح أدى إلى تحولات مجتمعية كان ابرزها انتصار الصهيونية الدينية على الصهيونية المتدينة وصعود قوى التعصب الديني والقومي إلى سدة الحكم وهزيمة ما يسمى اليسار والوسط، واستئناس النخب الثقافية من قبل المؤسسات المالية، ونضوب المعارضة وتلاشي صوتها.  
المعارضة الفعلية هي في اقصى اليمين، ثم كانت النتيجة المنطقية لتلك التحولات، هي صعود الارهاب اليهودي الاكثر توحشا، والذي تعايشت معه حكومة نتنياهو وحاولت إدارته.
غير ان المؤسسة الامنية التي تعرفت إلى المخاطر الشديدة التي قد تنجم عنه وقد تطال الدولة، تحاول تغيير قواعد اللعبة مع رموز وقوى الارهاب. 
وثائق التنظيم الارهابي المسمى تمرداً تدعو إلى إسقاط اسرائيل وإعادة تنصيب ملك يهودي على مملكة يهودية لا مكان مطلقا فيها للأغيار.