منذ نعومة أظفاري، وأنا مطالبة بالاستنكار حين يقتل أي يهودي وبأي طريقة وأينما كان وكأنني انا دائماً المتهمة.
ولدت في مدينة الناصرة الواقعة شمال فلسطين المحتلة منذ عام ١٩٤٨، لعل الكثيرين يعرفون هذه المعلومة، لكنني أعرف من تجربتي في العيش بعدد من الدول العربية، أن عدداً لا بأس به من أشقائنا العرب لا يعرفون ذلك.
شاركت وأنا طفلة صغيرة، في مظاهرات يوم الأرض دفاعاً عن مصادرة أراضينا في وطننا، وهربت مع والديّ حين هاجمتنا شرطة الاحتلال "الاسرائيلية" وتعلمت حينها أهمية الركض.
فتحت الباب لشرطي الاحتلال سجّان ابي، حين حضر وطلب معرفة مكان الوالدة ليعتقلها، بهدف الضغط على الوالد، وكان حظها جيد لأنها لم تتواجد في البيت، فلم انسَ.
منع والديّ لسنوات من زيارة القدس والضفة الغربية، بسبب مواقفه السياسية المناهضة للاحتلال.
ضُربت وضُرب اخي الذي يصغرني بسنة واحدة من شرطة الاحتلال اول مرة حين كنا نبلغ من العمر ١٣ عاماً، وذلك اثناء مشاركتنا بمظاهرة للمطالبة بالحرية للشعب الفلسطيني.
رأيت ذلك الختيار الفلسطيني يركض خلف سيارة "بلدية القدس المحتلة" التي صادرت محتويات بسطته، رأيته يركض ويستجديهم ان يرجعوا له أغراضه والحزن في عينيه، ورأيتهم يضحكون عليه ويسخرون منه.
تعرضُت وأصدقائي لوابلٍ من إطلاق النار من جيش الاحتلال لعدة ساعات في منتصف الليل، وجريمتنا كانت اننا أردنا توثيق احداث مخيم جنين في عام ٢٠٠٠، فيما تبادلت وسائل إعلام الاحتلال او من أسميهم اْبواق الاحتلال، تبادلوا الخبر حول محاولة "خلية تخريبية" التسلل الى "اسرائيل"، والقصد كان يومها نحن.
ولم أعدَ ولن احصي الأحداث التي ذكرتني دائماً وأبدا بأن الارض لي، لكن كل شيء آخر في هذه البلد هو ليس ملكي، بل ملك لمحتلي.
لذلك استنكر.
استنكر قمع الشرطة ودولة الاحتلال لي في ارضي.
استنكر العنف الذي مارسته الشرطة والأمن على والدي وتهديداتهم له باستخدام والدتي للضغط عليه ليعترف.
استنكر الضرب والشرطي الضارب الذي هاجمني وهاجم أخي.
استنكر إطلاق النار علي وعلى أصدقائي.
استنكر بشدة الذل والإذلال والقمع والقتل والحصار الذي يمارسه المحتل على أبناء شعبي، كانوا في الجليل او الخليل او غزة او الناصرة او جنين...استنكر هذا الاحتلال الذي يهين الصغير والكبير دون حياء او حدود.
استنكر سهولة قتل الفلسطيني وهروب القاتل المحتل من أي قضاء وعقاب.
استنكر أشد استنكار أن عليّ دائمًا أن أكون في حالة تأهب لتحمل مسؤولية كل ما يحصل حولي، لأنني وباختصار لم أحتلّ، لم أحرض على القتل، لم اقمع، لم اشرّد، لم أقتل، لم أذِل احدًا، لم أهدم بيتًا، لم اطلق رصاصة، لم أربِ أطفالي على حقهم في ارض كانت ولا تزل ليست ملكهم.
