أنا وأخي
تاريخ النشر : 2013-03-20 17:00

منذ الصغر، كنساء، حملنا معنا مفهوم الأخ المفضّل، الأخ الذي علينا كأخوات خدمته والعمل على راحته، مهما بلغت هذه المهام من قسوة، أو حملت صورا من الإذلال.  وهنا لا يعني الوقت شيئا، ولا التعب، ولا حاجاتنا النفسية أو الجسدية مقابل هذه الراحة غير المفهومة. إن أكثر من يكرس هذا المفهوم البدائي في مخيلتنا الصغيرة – مع الأسف – هي الأم؛ فالأم هي التي تسعى دائما لوضع أولادها الذكور في مرتبة أعلى تلقائيا من البنات. وتبدأ بترسيخ وتعزيز هذا المفهوم منذ البداية، أي منذ ولادة ذكرها الأول، سواء كان أول مولود، أم جاء بعد سبعة بنات.

الخدمة الاجبارية تبدأ منذ الصباح وحتى مغيب الشمس، واحيانا تمتد لما بعد ذلك، وذلك يرجع بحسب طبيعة الأخ وطبيعة عمله أو دراسته أو ميوله ومزاجه. وعندما نقيس ما يتم منحه لهذا الأخ مقابل ما يتم حرمان الفتاة منه، بحسبة صغيرة نستطيع أن نقيس مدى الظلم والاجحاف في حق النساء منذ نعومة أظافرهن.

"حضري لأخيك الفطور، فلا يجب أن يذهب للمدرسة بدون طعام" ... " رتبي لأخيك سريره، وخذي ملابسه للغساله" ... "اعملي لأخيك كاسة شاي أو قهوة، فهو بحاجة للتركيز في دراسته" ... "ضعي حذائه في الخارج" ... "اعملي عشاء لأخيك فهو متعب من العمل ... الله يعينه" ... " لا ترفعي صوتك في وجه أخيك... عيب عليك" ... " ردّي على أخوك فهو يعرف مصلحتك أكثر منك!! ... "غيّري المحطة فأخوك لا يحب هذا المسلسل" ... " ابحثي لأخيك عن جواربه ... انت غسلتيهم" ... " جهزي الحمام لأخيك" ... " نظفي له غرفته" ... "امسحي له حذاؤه واكوي له ملابسه" ... "خيّطي له زر قميصه" ... "أخيك لا يحب هذا الفستان عليك ... بدّليه" ... "ماذا لو رآك آخاك وأنت تضعين بودرة!!" ... "لا ممنوع أن تذهبي عند صديقتك ... أخوك لا يحبها" ... "ليش نايمة ... قومي اعملي قهوة لأخوك وأصحابه بسرعة" .... هذه فقط مقتطفات صغيرة من جمل سمعناها كثيرا، وترددت على مسامعنا على مدار العصور،  وما زالت تتردد لغاية الآن.

هل هو كره لهذا الأخ إن قلت له "لا" ؟ وهل يعد تمردا إذا قلت له " لا أريد"!!  وهل هو خروج عن الطاعة إذا تساءلتُ أحيانا: لماذا أمي تفعل ذلك بي!! لماذا تقرر أن يكون أخي أفضل مني ويستحق كل شيء، حتى خدمتي العمياء له !! هل من العيب أن نتساءل عن الفروقات النفسية والجسدية التي منحت كل منا الأفضليه في قلب هذه الأم!!  وطبعا ليست الأم وحدها التي تضيف لهذه الفروقات الكراهية والبغض، ولكن الأب والأخ لهما دور لا يمكن نكرانه؛  فالأخ الذي اعتاد كل هذا الدلال، يتعاطى معه كحق موروث لا يحق لأحد مناقشته فيه. فيصبح الآمر الناهي في حياة أخته، بل في حياة كل أخواته ولو كن عشرة. فيقرر من تكمل دراستها، ومن تتزوج، وماذا تلبس، ومتى تخرج، ومن يحق لها الكلام ومن يجب عليها الصمت. فيصبح هو الأخ الأكبر حتى لو كان أصغر فرد في العائلة.

أما الأب فهو الأخ سابقا، وهو رب الأسرة لاحقا، وهو الإله الذي تقدس سره، فلا يحق لأحد مجادلته أو سؤاله. هو الذي يقرر مصير كل العائلة دون تردد ودون سؤال، ويقرر كيف تكون الحياة ... وتصبح إمكانية الاعتراض أو النقاش أحيانا حكرا على الذكور دون الاناث، ذلك إن وجدت. وفي العادة ترضخ النساء لهذه المفاهيم، وتتعاطى معها بشكل تلقائي؛ فتصبح موروثا ثقافيا تتناقله الأجيال مع الأسف. وتصبح الأخت أُمّا تمارس نفس السطوة على بناتها وبنفس اللغة المشؤومة.

أجيال لا حصر لها تربت على هذا المفهوم، ملايين النسوة حُرمن من حقهن بحياة طبيعية كاملة، وقدمنها عن طيب خاطر أو غصبا عنهن لإخوانهن الذكور .. فهل من العدالة استمرار مسلسل القهر هذا ؟ ماذا لو حصلت كل فتاة على نفس ما يحصل عليه أخوتها الذكور  ؟ ألا يعني ذلك فقدان المجتمع لملايين الفرص التي أهدرت على مذبح التخلف الاجتماعي ؟

وحدَها من تتساءل، ومن تقرر التفكير وإعمال عقلها، والاحتجاج بطرح السؤال البديهي: "من أنا، ومن هو !؟"، فإنها بذلك تقرر أن تخرج عن هذا النظام المتوارث. فتكسر بتساؤلها كل موروث، وتشكك في كل البديهيات، وتخرج من القمقم، لتصبح إنسانة ذات كيان مستقل، إنسانة طبيعية لا تقبل بتقييد حريتها أو النيل من كرامتها تحت أي مسمى كان، ولو كانت القصة تعني "أنا واخي" !