نابلس - نوى (خاص) - مي زيادة
امرأة ليست كالنساء! خِلقتها امرأة وعزيمتها عن ألف امرأة ! صَنَعت مجدا، وكافحت، ربّت ابناً، ونالت ماقدمت لزوجٍ، دخلت فندق سيزر في منطقة الماصيون لحضور ورشة عمل، اعتقدت أني الوحيدة القادمة من مناطق بعيدة، وهذا مااعتبره فِعلٌ نضالي بأن أقطع مسافات طويلة وأبذل جهداً كبيراً لقضاء بضع ساعات، أعترف أني وقفت إجلالا واحتراما لمكافِحة عظيمة ذُهلت عندما سمعتها تقول كم عمرها وماذا تفعل هنا، فداء فلسطينية ضحت من اجل زوجها وكافحت، فكافح وضحى من أجلها.
كنا نجلس في الصالة بعد ان انتهت الدورة، أنا وبعض الإعلامين، نتعرف الى بعضنا، واذا بها تقول: " أنا فداء من قلقيلية وعمري، 37 عاما، سنة أولى صحافة واعلام في جامعة النجاح"، لم أُخفِ دهشتي وأَصابني الفضول لمعرفة قصتها وماذا تفعل امرأة مثلها وام لأَربعة أبناء، تدرس في الجامعة الان، قاطعتها واخبرتها أَني أُريد أَن استمع الى قصتها بهدوء، وان كانت لا تمانع أن نصعد الى غرفتي.
"كنت أَرغب بأن أتابع تعليمي كأي فتاة، في السابعة عشر من عمري، تقدم لي شاب مناضل ومحب للقضية الفلسطينية، فحبي لقضيتي ولأني لم اعش في وطني، فكّرت ان هذا الشب لماذا لا يكن كباقي الشباب ويقترن بفتاة، هو ضحّى ويستحق أن يضّحو من أجله الاخرين، فقبلت الاقتران به وكان بيني وبينه 14 عاما، وتزوجنا وهو مُبعد الى الجزائر، فعشت سنتين فيها وأنجبت طفلي الاول". تنهّدَت ووضعت يدها على صدرها والألم بدا على ملامح وجهها، وتابعت قصتها، "عُدت الى فلسطين لأُسجل ابني في هويتي، شو بدك تنتظري يصير مع ابن ابو معو وثيقة وحامل للقضية في حله وترحاله؟ ، عشت الأمرين وكنت حينها في التاسعة عشر من عمري، اعتبر نفسي خضت النضال مع زوجي في هاتين السنتين".
وصلنا في الحديث الى ماحصل في 1994 عندما عاد زوجها مع المبعدين، انتقلت هي وزوجها للعيش في قلقيلية، واصرارها على التعليم لم ينضب، بعد وعود زوجها لها انها ستنهي تعليمها مهما كلف الامر، اخذت الثانوية العامة بعد انقطاع 14سنة عن الدراسة، " كنت اتمنى ان انجب فتاة، لأُعوض نفسي عن الحرمان الذي عشته".
"صدقيني مي أنا أريد أن ادرس لأني متعطشة لذلك، لا يوجد لدي الذكاء الخارق، لكن ما دفعني هي الإرادة، وإرادتي لن توقفني عند البكالوريوس بل هي المحطة الاولى، سأُتابع الى مابعد ذلك، واخترت الصحافة لحبي لها".
عندما كانت تذكر اسم زوجها في حديثنا كانت عيناها تتلألأ، فهو مثلها الأعلى في كل شيء، " سُجن زوجي ست سنين، وتابع في المهجر ستة أخريات، كان دائما يشجّعني، على الرغم من الصعوبة التي وجدتها في التأقلم مع مجتمعي، تمثلت في الفكر المختلف، فهُم مجتمع عشائري، حاولت ان أتأقلم لمدة عشرين عاما، فذلك لم ينل من عزيمتي وإيماني بما أريد ان أصل له".
زوجها هو عثمان محمد داوود رئيس بلدية قلقيلية فاز بانتخابات البلدية التي جرت في شهر اكتوبر/تشرين أول من العام المنصرم وهذا مافاجأني بشدة، انه هو ذاته الشاب المنضال الذي صاحب اسمه كل تعابير الفخر والاعتزاز خلال حديثي مع فداء، بعد ان فاز زوجها بانتخابات البلدية وجدت انه الوقت المناسب لتنتقل الى الجامعة بعد ان حصدت في الثانوية العامة معدل 85.
"انتي عنا؟" " شو جاي تعملي؟" شعرت فداء ان المعادلة لن تتم بنجاح مع طالبات البكالوريوس ، ذلك الجيل الذي هو جيل ابنائها، فحاولت التكيّف مع الامر ولم يحز على اهتمامها بشكل كبير.
سقفها لن يقف عند الماجستير، مادام هنالك أزواج كزوجها على حد قولها، مع انها تشعر ببعض التقصير والإهمال في بيتها. امتزج حديثنا بالفكاهة في بعض المواقف، فقالت لي ما هي ردة فعل زوجها عندما تشعر بهكذا شعور " كل راس مالها عطلة الأسبوع اعملي شو مابدك فيها وماتعملي حساب لشي تاني".
استذكرت موقف حدث مع والدها عندما تقدم زوجها لخطبتها، "والدي رجل عرف كيف يختار الرجال، ليس كباقي الأهل في وقتنا هذا، الزوج في مقاييسهم هو من لديه بيت وسيارة ومال"، أشارت لي بيدها من نافذة الغرفة وهي تخبرني ان هذا مافعله والدها مع زوجها عندما تقدم لخطبتها، "اشار والدي باصبعه الى خيمة تظهر من النافذة، وقال: لو بتعيش انت وبنتي في هالخيمة وتكون معها بكفيني، ماعندي مشكلة ، المشكلة اذا بتوكل ومابطعمي بنتي وانتهى الموضوع".
