بقلم: ماجد العاروري
أخيراً فعل الرئيس حين التزم الصمت ولم ينبس ببنت شفة لفترة طويلة تجاه الأحداث التي اجتاحت الأراضي الفلسطينية.
حسناً فعلت الأجهزة الأمنية الفلسطينية حين راقبت بصمت ما يفعله فتيان فلسطينيون دون تدخل بمجريات الأحداث، لا منعاً ولا تشجيعا حتى أيام قليلة خلت.
نعم ما فعلت الأحزاب السياسية الفلسطينية حين اقتصر دورها على المشاركة على تقديم واجب العزاء لأسر الشهداء، ودعوات بلا جمهور لمواجهات ساخنة على حدود المدن.
المؤسسات الحقوقية صمتت في الأحداث الأخيرة، وما زلنا ننتظر تقاريرها في تقصي الحقائق حول أحداث القتل خارج القانون الميدانية مكتفية بجولات تفقدية لمواقع الحدث كما تفعل البعثات الرسولية التي تأتي البلاد في زيارات حج.
كيف كان لكل هؤلاء أن يفعلوا غير ما فعلوا وقد فاجأتهم الأحداث كما فاجأتنا جميعاً؟.
من منا كان يعلم ما سيفعله هؤلاء الفتية؟. ا
الرئيس وعد أن لا تكون انتفاضة مسلحة في عهده، لذا كنست الأجهزة الأمنية كل قطعة سلاح خلال السنوات العشر الماضية كان من الممكن أن تستخدم في انتفاضة مسلحة على غرار ما آلت إليه الأمور في انتفاضة 2000، ولم يخطر ببالها للحظة واحدة أن الانتفاضة الجديدة سيكون سلاحها سكاكين المطابخ وعجلات السيارات.
كيف كان لصانع القرار الأول في هذه البلاد أن يعلم بذلك، ولم ترده يوماً ما أقصوصة ورق واحدة من كل أجهزة الدولة تفيده كيف يفكر فتية ما بعد أوسلو؟.
من أين يمكنه أصلاً أن يعرف والأجهزة الأمنية ذراعه الفاعل لا يعرفون بذلك؟.
كيف يمكنها أن تعرف ومفهوم الإنسان في العصر الأمني الحديث رقم من تسع خانات، وصورة، وبصمة يد، وبصمة عين وتقارير أمنية تسكن في ملفات الكترونية مفتاحها الوحيد الأرقام؟. وهؤلاء الفتية، لا أرقام ولا بصمات ولا ملفات لهم .
أنهم ليسوا أشخاصاً بالمفهوم الأمني المعاصر للأشخاص، فهم لا يحملون بطاقات هوية ولا بطاقات ممغنطة ولا بصمات لهم، وكل ما لهم في الدولة شهادات في سجل النفوس.
هل تستطيع شهادة سجل نفوس أن تعلمنا بماذا يفكر هؤلاء الفتية؟.
هل رصدنا سلوكهم، ومعاناتهم، واتجاهات تفكيرهم لنعلم بأن هؤلاء الفتية قنابل موقوتة قابلة للانفجار قبل أوانها؟.
من أين لنا أن نعلم وكل الوثائق والتقارير التي تبني عليها سياسات البلد مبنية على فكرة الحقد الشخصي وتصفية الحساب؟.
كيف يمكننا أن نفهم ما يفكر به هؤلاء الأحداث، وكل التقارير التي ترفعها أجهزة الدولة إلى صانع القرار كيدية ومبنية على الحقد الشخصي وليس لديها هدف سوى تحويل الخلافات مع الخصوم السياسيين إلى خصومات، وتحويل الخصومات إلى أحقاد شخصية؟.
كيف لنا أن نعرف وإمكانيات وأدوات الخصوم السياسيين انتشرت في بقاع الأرض لتلتقط صورة لمسؤول يرقص هنا أو يحمل بيده كأس بيرة هناك، لتنشر صورته على صفحات الفيس بوك متجاهلين معاناة جيل بأسره، وساروا هم أيضاً بدائرة الخصومة والمعاداة على أساس فكرة الحقد الشخصي.
كيف لنا أن نعرف وهذه الثقافة انتقلت من الصف الأعلى إلى الصف الأدنى لتصبح ثقافة سائدة في الوطن.
هل انتبه أحد منا منذ بدء الانقسام ولغاية الآن بماذا يفكر جيل ما بعد أوسلو؟.
كيف يمكن لقيادة متوسط أعمارها 65 عاما أن تعلم بماذا يفكر جيل متوسط أعمارة 14 سنة؟.
كيف يمكننا أن نفهمكم ومنافع الانقسام تغرقنا؟ ألا تعذرونا يا فتيتنا أن غفلنا عنكم؟. لقد استهلكنا الوقت ونحن نلعن الانقسام في النهار وننهمر عليه في الليل، كما ينهمر قط جائع على صوص سحله من قن دجاج؟.
هذا الجيل لم يعرف في حياته من السرية أو الخصوصية شيئاً، ودونوا كل ما يفكرون به على صفحات الفيس البوك، لكننا لم نكلف أنفسنا لنقرأ جملة واحدة مما كتبوا لنفهم بماذا يفكرون، واكتفينا بقراءة وتحليل مئات الآلاف من صفحات تقارير الحقد الشخصي، حصيلة عقد من الزمان.
ليس أمامنا أيها الجيل الصاعد إلا أن نكرر ما قاله الرئيس المخلوع زين العابدين متأخراً لشعبه فهمناكم فهمناكم. وان نضيف لهم " عفواً ... كنتم تعيشون خارج التغطية، لم تصلكم إشارات بثنا، ولم تصلنا إشارات بثكم، نحن نعيش في عصرين مختلفين، عصر الانترنت و العصر الحجري.
نحن أمام جيل انفجر في لحظة واحدة، انفجر بلحظة مجنونة، وكأنه ينتقم من كل سنوات التغيب والتهميش التي عاشها في ظل حقد احتلال لم يراهم بشر من قبل، وانقسام كافر سرق كل أحلامهم كما سرق لقمة عيشهم، ولم ينظر إليهم احد كبشر لهم احتياجات وانفعالات، فهم لا يحملون بطاقات، ولم توثق لهم بعد بصمات، فهم غير موجودين في منهجية تفكير الدولة الحديثة.
هل يمكنكم أن تعذرونا أحبتنا فلا بد أن نتذكركم في لحظة قطف الثمار، كي نجردكم من كل ما فعلتم؟. فلكم السيف ولنا الدم؟!.
