صورة الإرهاب اليهودي تكتمل هذه الأيام وتطغى على المشهد الإسرائيلي. فقد استوقف عرس الدم الذي بثته القناة الإسرائيلية العاشرة نخبا كثيرة من الإسرائيليين في معسكري اليمين واليسار. وطرح ظاهرة الإرهاب المستفحلة وسط قطاعات متزايدة من الشبان الإسرائيليين على طاولة البحث. الفيلم قدم نموذجاً فاشياً وإرهابياً بكل معنى الكلمة، وذلك حين توعد فيه المستوطنون وهم مشهرون أسلحتهم وسكاكينهم وزجاجاتهم الحارقة بقتل وحرق الفلسطينيين. تلكأت الدوائر الأمنية الإسرائيلية في الإمساك بخيط جريمة القتل في دوما، وفصلت بينها وبين خيوط أخرى قادت الى جرائم، ولم تحاول الدخول في الشبكة المعقدة من العلاقات والبنى والسياسات والأيديولوجيا التي انتجت وتنتج الإرهاب. التلكؤ وعدم الربط والامتناع حتى عن تشخيص الظاهرة جاء على خلفية قومية. فلا ضير ولا مشكلة طالما ان الجهة المتضررة هي الخصم الفلسطيني. غير ان التعامل مع الإرهاب اليهودي بدأ يختلف بعد حدوث ارتدادات له داخل المجتمع الإسرائيلي. فيلم "مدسوسون" الذي انتجته حركة "إن شِئتم" قدم رموزا مهمة من نشطاء يسار وحقوق إنسان ( بيتسيلم، ونكسر الصمت، ومركز الدفاع عن الفرد) كمن يسهلون على الفلسطيني أن يقوم بالطعن والدهس، ووضعهم في موقع عملاء تستخدمهم دول أجنبية لتحطيم إسرائيل من الداخل. لم تكتف حركة "إن شئتم" بهذا النوع من التحريض عبر الفيلم، بل رفعت شعارات في ضواحي روتشليد مركز العلمانيين واليسار في تل أبيب تقول "الشعب مع الجيش، الشعب ضد المدسوسين". لم يكن تحرك "إن شئتم" معزولا، فقد نشرت عريضة بدعم من وزيرة "العدل" الإسرائيلية بصيغة مشروع قرار، وقع عليها 5 آلاف شخص، تطعن بمشروعية حوالي عشرين منظمة حقوقية وإنسانية أبرزها: نكسر الصمت، بيتسيلم، فرع أمنستي، عدالة، جمعية حقوق المواطن، نساء من اجل السلام، أطباء من اجل حقوق الإنسان، ولجنة مقاومة هدم المنازل. وتتعامل العريضة مع النشطاء الذين يعترضون على الانتهاكات الإسرائيلية الفاقعة للقانون الدولي وللقانون الإسرائيلي باعتبارهم عملاء، وتحملهم مسؤولية كل نقد تتعرض له دولة الاحتلال، وكل مقاطعة اقتصادية وأكاديمية، وكل قرارات الدعم للشعب الفلسطيني. التحريض شمل الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين بسبب مشاركته في مؤتمر "يكسرون الصمت" من قبل منظمات أصولية ونشطاء الليكود وصحيفة 'يسرائيل هيوم' والقناة 20، اللتين تأسستا من أجل دعم نتنياهو وسياسته. وانتشر شعار "ريفلين ليس رئيسي" واتهم بالخيانة. حملة العداء للرئيس دفعت البعض للتحذير من التحريض الذي يشبه حملة التحريض عشية قتل رابين. والتحريض يطال الدولة "التي تتسامح مع الفلسطينيين "والشاباك" الذي يعذب الأولاد"، وكذلك الجيش، ولا تنجو منه محكمة العدل العليا التي دعا عضو الكنيست موتي يوغف الى الصعود عليها بالجرافات". التطرف والإرهاب كما نرى، بات يهدد أيضا الإسرائيليين الذين لا يتطابقون مع السياسات المتطرفة. الإرهاب والتطرف ينتشر ويتعاظم، بعد ان وجد في مؤسسات الدولة وسياساتها أهم حاضنة له. أصبحت المناصب الحساسة بيد المتدينين، رئيس الموساد، ورئيس "الشاباك" ومفتش الشرطة، وقاضي محكمة العدل العليا نوعم سولبرغ مستوطن يلبس "الكيبا" ويتبنى مقولة شعب الله المختار، وكذلك المرشح لمستشار قانوني للحكومة متدين أيضا، غلبة الصهيونية الدينية للصهيونية العلمانية وهزيمة الدولة العلمانية هو عنوان التحول الأكبر في مؤسسات الدولة وفي المجتمع الإسرائيليين الذي انتج التطرف والإرهاب. ذلك التحول الذي ارتكز الى مجموعة من العوامل أهمها: العامل الأيديولوجي ودور المؤسسة الدينية، دور الحاخامات أصبح دورا فاعلا ومؤثرا في توجيه دفة السياسة الإسرائيلية، وكان الاهم في الافتاء الديني هو التأكيد على الحق التاريخي لليهود في أرض الميعاد وتحريم التنازل عن أي جزء من هذه الأرض" وقد ساهم هذا الافتاء في قتل رابين، وفي توفير الغطاء لاستمرار الاحتلال ومضاعفة الاستيطان وتدمير مقومات اية عملية سياسية مع الشعب الفلسطيني. الاتجاه الأكثر تطرفا في المؤسسة الدينية أخذ يشق طريقه، ففي عام 2008 أفتى 15 حاخاما بجواز المس بالمدنيين الفلسطينيين وتدمير بيوتهم لمجرد وجود نوايا عدائية ضد اليهود وليس اقتراف أعمال". ويبدو ان قرار إطلاق النار على منفذي عمليات الطعن مستمدة من هذه الفتوى التي تتناقض مع القانون الدولي الذي يحرم القتل في غياب تهديد حقيقي بالحد الأقصى او بعد زوال التهديد. وهناك مواقف دينية اكثر تطرفاً عبر عنها الحاخام والزعيم الروحي للتطرف "اسحق جينزبورغ". الذي يدعو الى اقتلاع الروح الصهيونية وإسقاط الحكومة سواء من اليسار أو من اليمين وكسر المحكمة وإخضاع الجيش لليد المقدسة وصولا الى إنشاء نظام توراتي في البلد. اي انه يدعو الى الانتقال الى دولة دينية ثيوقراطية تماما كما فعل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). وفي ظل المؤسسة الدينية تنتعش منظمات الأصولية اليهودية وأبرزها جمعية (الهار هامور) التي تدعو الى إعادة بناء الهيكل، هذه الجمعية تنظم مسيرات داخل البلدة القديمة في القدس ويهتف أعضاؤها "ليحرق الأقصى" وليُمحَ ذكر الفلسطينيين" "والموت للعرب"، وكل ذلك بحماية الشرطة والأمن الإسرائيليين. اهم "إنجاز" للمؤسسة الدينية هو استبدال المؤسسة السياسية "دولة اسرائيل" القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية بالأيديولوجيا التي باتت المرجعية والناظم الذي يستند إليه في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. الاستيطان بما هو تجسيد لأطماع كولونيالية، وتجسيد للأيديولوجيا الدينية، وبما هو وسيلة لنيل امتيازات فردية ورفاه للمجموعات، وبما هو وسيلة لتحقيق أرباح وفيرة لنخب أمنية واقتصادية، الاستيطان هو القاعدة الأساسية للتحول نحو التطرف القومي والديني ونحو إنتاج المنظمات الإرهابية الفاشية وتأمين الغطاء السياسي لها. من غوش ايمونيم الى منظمة "كاخ" التي أنشأها كهانا، الى ناحوم غولدشتاين وأنصاره، الى التنظيم الإرهابي الذي حاول اغتيال رؤساء البلديات، الى تدفيع الثمن، كهانا تصديق، لجنة مستوطني السامرة التي حظيت بموازنات من المجلس المحلي وتؤمن الغطاء لنشطاء "تدفيع الثمن"وتشجع سطو المستوطنين على القرى الفلسطينية وقلع الأشجار المثمرة وسرقة الزيتون وقتل المواطنين والاعتداء عليهم وعلى منازلهم. الحكومات المتعاقبة بدورها تقدم الموازنات السخية والدعم للاستيطان والمستوطنين وتغض النظر عن انتهاكاتهم. عوامل أُخرى عديدة تساهم في ظاهرة الإرهاب اليهودي، كاكتشاف المستوطنين وامتداداتهم في المؤسسة الأمنية ان الشعب الفلسطيني ليس بالمواصفات الموجودة في مناهج التعليم الإسرائيلية، وانه يستطيع ان ينافس ويتطور، ويحظى بأعراف وتأييد الشعوب والدول أكثر من الإسرائيليين، لذا فإنهم يجدون في الفلسطيني خطرا يهدد سرقاتهم وامتيازاتهم التي حصلوا عليها من خلال الاحتلال. ويكون الرد بالعنف من اجل إزاحة ذلك التهديد. [email protected]
الإرهاب اليهودي سيشعل الأخضر واليابس
تاريخ النشر : 2015-12-29 06:50
