تلك العجوز التي تجرجر احفادها وشيخوختها في مطار كوبنهاغن ، يعتقد انها حبيبتي التي قالت لي قبل ثلاثين عاما في مقهى معلق فوق قاسيون انها ستموت لو انا سافرت وتركتها ، لم يكن يومها لدموعها نظارات طبيبة مثل تلك النظارات التي يلمع زجاجها تحت أضواء ممر المطار الاسكندنافي الوثير ، ولم تكن تلك الانحناءة التي تجعل منها اكثر قصرا حين كان طولها يتمختر في شوارع دمشق بكعبها العالي بمشية طير اللقلق ، لم يكن لتلك الشيوعية حجاب يحجب شعرها الذي كانت تبعثر سواده الرياح القادمة من لبنان في الزبداني وهي تحفر على شجرة تفاح قلبا يخترقه سهم لئيم بحرف اسمها واسمي ، كان لشعرها الأسود الفاحم من الفوضى قبل عصر الفوضى الخلاقة التي جعلتها تهرب بريشها من مخيم اليرموك الى هذا المطار الاسكندنافي في اخر الدنيا !
انا تركتها وسافرت ، وهي لم تمت كما قالت لي وانا اودعها في مقهى على كتف قاسيون ، يوم كانت دموعها تنساب على ورد خديها ، وكفي لا تكف عن كفكفة فضة دموعها المراهقة فوق دمشق ، ولم يكن لقلبي مثل هذه الحيادية التي تراقبها عن بعد وانا انتظرها بنهاية ممر المطار وهي تقترب مني مدججة بالأحفاد وبثلاثين عاما من الغياب ، وانا احدق في كفي عن ما تبقى من دموعها بعد كل هذه السنوات الطويلة !
قبل ان اسلم عليها في مطار كوبنهاغن حين ارتجفت كفي في كفها لأسباب طبية وليست عاطفية ، هي شيخوخة أعصاب اليد وليس تراقص القلب مثل ما كنا زمان يوم كانت الاعصاب بخير والشرايين لم تزدحم بالكولسترول والنوكتين وطريقها الى القلب ما يزال سالكا !
ضحكنا بما يشبه الضحك الهستيري انا لم اعد انا وهي لم تعد هي ، وحبة " البامبون " التي كنا "نمصمص " سكرها صارت حبة دواء الضغط او حبة خفض السكر ، وحولنا يتحلق الأحفاد جوائز ترضية لعمر يذوي مثل شمعة طاولة العشاء زمان في مطعم في باب توما !
حبيبتي القديمة لم تمت كما هددتني ان سافرت وتركتها ، وانا الان في مطار كوبنهاغن امارس رجفة كفي في كفها ، ولا نكف عن الضحك الهستيري وسط دهشة احفادها !
من هذا الاحمق الذي قال : في النفس نفس لا تشيب ، والله العظيم تشيب ، والحب كائن مثل كل المخلوقات يشيب ويحتاج الى معجزة ما تنقذه من العجز الذي يجرجر قلبه على عكاز ، وينظم دقات قلبه دواء الضغط او خفض الانسولين وليس كما كان زمان ابتسامة خجولة من حبيبة مراهقة ترفع ضغط دمه وتخفضه على هواها !
في مطار كوبنهاغن اتفرج على شيخوخة الحب ، وهو يمارس ضحكه الهستيري في حبيبة لم تمت ، وحبيب على ابواب الموت ينتظر في قاعة ترانزيت بين الموت والحياة ويضحك ويضحك ويضحك !!!!
