القنطار.. إغتالوه مرتين
تاريخ النشر : 2015-12-27 23:37

لا أعرف كيف يمكن لعربي سويّ أن يتشفى باغتيال مناضل وأن يجاهر بارتياحه للخلاص من ثائر حقيقي تجاوز حدود الطائفة وحدود التراب المقسم في حبه لفلسطين التي عاش فيها أسيرا في سجون العدو، وقضى من أجلها شهيدا في غارة اسرائيلية على مسكنه في الشام.

أحكي عن الشهيد سمير القنطار الذي ودعناه بالدمع قبل أيام، وأوجعنا رحيله بهذه الطريقة المستفزة في زمن الخنوع العربي والاصطفافات الغبية والمشبوهة التي حولت كل سمائنا إلى ملاعب لقاذفات الأعداء.. وما أكثرهم.

ما أوجعنا أكثر، كان محاولة القلة الآثمة تشويه صورة الشهيد وتاريخه المشرف لمجرد أنه اختار مقاومة الاسرائيليين والأمريكيين وأدواتهم الظلامية التي تعبث في سوريا تحت رايات “داعش” و”النصرة” و”جماعة الإخوان” وكل جماعات الشيطان.

هل يعقل أن يصل الحقد الأسود إلى التشفي بشهيد؟ وهل يمكن فهم دوافع الإخوانيين والكتبة المستأجرين في منابرهم في شن هذه الحملة السوداء على ثائر قدم الحرية على الحياة؟ وهل يمكن العثور على مبرر لهذا الجحود المقزز في مقالات كتاب فلسطينيين أغرتهم مكاسب دنياهم الصغيرة في أحضان “أمراء الظلام”، واستسلموا لإغواء حفنة من الدولارات تعمي البصر والبصيرة، فتحولوا إلى روبوتات كتابية تعمل بالريموتات الأمريكية والإخوانية والرجعية العربية؟

هل تستحق الوظيفة هذا الانتحار؟

ثم، هل يمكن فهم هذا الاصطفاف المخزي مع إسرائيل والتمترس في خنادق العداء للحياة في الشام وغيرها من حواضر العرب في زمن الخراب الربيعي؟

لا بأس، فالدنيا مليئة بالمفاجآت، وما كان مستحيلا في ما مضى من أزمان صار واقعا في هذا الزمان، الذي يتسيد فيه المشهد صغار الصغار، وينطق باسم الأمة مشبوهون بالانحياز التوراتي يحملون ألقابا مبجلة من نوع “المفكر العربي الكبير”.

كان حريا ببعض الكتبة أن ينتبهوا إلى أن متوسط مستوى الذكاء في الشارع العربي أعلى كثيرا مما يهيء لهم أرباب نعمتهم ونقمتهم، وكان جديرا بمن اجتازوا مرحلة فك الحروف أن يتنبهوا إلى انكشاف سقوطهم وألا يزايدوا علينا بثوريتهم الربيعية وانحيازهم الكاذب لحرية الانسان العربي، لأن الحرية يصنعها الأحرار مثل القنطار ورفاقه ولا يصيغها المستأجرة أقلامهم وضمائرهم والمتحولون إلى اكسسوارات قومية ويسارية في إطار المشروع الظلامي الإخواني.

وإذا كان الاختلاف جائزا بل وضروريا في الأطر السياسية والإعلامية المنخرطة، أو المتورطة في مشاريع التغيير، فإن لهذا الاختلاف خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها، خاصة عندما يتعلق الأمر بأيقونات الحرية، وعندما يصل الأمر إلى التقاطع مع العدو في الرؤية وفي الموقف.

إنها الروح الانقلابية التي تحكم أداء “الإخوان” وطراطيرهم، وهي الروح المهزومة التي تصطف مع نتنياهو وشركائه في عصابة اليمين التوراتي، وهي روح شيطانية تطارد لعنتها كل من تمثلوها.

وأخيرا، وحتى لا يقفز الظلاميون المتحمسون إلى تجريمي بالدفاع عن النظام السوري، فإنني لم أكن يوما، ولست الآن، ولن أكون في المستقبل من المؤيدين لهذا النظام أو أي شبيه له في أنظمة القمع العربية، وقد كنت ولا أزال مطلوبا لأجهزة النظام الحاكم في دمشق، لكنني في الوقت ذاته، كعربي وكانسان، أحب تراب الشام وأتوق إلى تراب فلسطين ويعز عليّ كل تراب العرب.

قضى الشهيد سمير القنطار بصواريخ اسرائيل، واغتاله أصحاب المشروع المشبوه بأقلامهم المسمومة وألسنتهم الناطقة بالعبرية بالفصحى.

كاتب فلسطيني