ما بعد العاصفة
تاريخ النشر : 2015-12-27 19:31

مؤشرات قوية علي قرب انحسار عاصفة الإرهاب، التي ضربت المنطقة بقوة غير مسبوقة، امتدت 5 سنوات، كلفت شعوبنا الكثير من الدماء والأموال والرعب، الذي لم تشهد له مثيلا منذ غزو التتار .. الأراضي الواقعة تحت سيطرة داعش تتقلص بسرعة في العراق وسوريا، فقد دخلت القوات العراقية مدينة الرمادي عاصمة الأنبار، وتعتزم مواصلة الزحف إلي الفلوجة وهييت، وحتي المعركة الحاسمة في الموصل، بينما القوات السورية تجرف الجماعات المسلحة حول حلب كبري مدن سوريا، واقتربت كثيرا من المعركة الكبري في إدلب، وفي ليبيا جرت مصالحة الصخيرات، التي قد تسهم في احتواء الإرهاب في ليبيا ولو قليلا، بينما تتخبط المحادثات حول اليمن، في انتظار مخرج من حرب عبثية لا يستفيد منها غير جماعات القاعدة وأنصار الشريعة والإخوان التي تتوسع في الجنوب.

الحماس الأمريكي للفوضي الخلاقة بدأ يفتر كثيرا، فالآثار الجانبية تفوق مكاسب تتسرب من بين أيديها، بينما أردوغان محاصر بالأعداء من كل اتجاه، ويصف الجميع بالخونة، بدءا من أمريكا وحتي حزب الشعوب الديمقراطي، ويواصل بوتين إحكام الحصار عليه، ووقعت روسيا اتفاقية دفاعية مع عدوه اللدود أرمينيا، ونشرت قواتها هناك، كما استقبلت موسكو رئيس حزب الشعوب الديمقراطي التركي صلاح الدين ديمرتاش، وتعلن أنها مستعدة لتزويد أكراد سوريا بالسلاح، ويشعر أردوغان أن كل جيرانه يكرهونه، وأن »الخونة» تكاثروا عليه في الداخل والخارج، ويحيطون به من كل اتجاه .

قراران للأمم المتحدة حظيا بموافقة جماعية، الأولي تتعلق بالحل السياسي في سوريا، والثاني بتجريم تمويل الإرهاب وترويج أفكاره، وهو ما سيغل الكثير من الأيادي التي تدعم الإرهاب سرا وتدينه جهرا، لكن الرأي العام في أوروبا، والذي تجلي في حملات إعلامية قوية ضد داعمي الإرهاب بدأت تؤتي بعض الثمار.

هدوء عاصفة الإرهاب سيعقبها تغييرات كبيرة، وإن بدرجة أقل حدة مما حدث من تقلبات في موازين القوي في أعقاب الحرب العالمية الثانية، التي بكل من بريطانيا وفرنسا وصعدت بأمريكا وروسيا السوفيتية، فالأوضاع لن تعود إلي سابق عهدها، وستكون تركيا في مقدمة الخاسرين، وتتعرض لزلازل داخلية تهددها بالتقسيم، وقد تستعيد العلمانية الأتاتوركية وهجها بصورة جديدة، وتزيح غبار دولة الخلافة العثمانية، الذي أثاره أردوغان، وأعمي به الشعب التركي، وستعود قطر إلي حدودها، وقد تغادر حلبة الصراعات السياسية، التي خسرت فيها الكثير من المال، وحصدت منه عداوات قد لا تندمل، بينما سيكون علي العراق عقد مصالحة داخلية، لتجاوز الاحتقان المذهبي والقومي، لتجنب التقسيم الفعلي، الذي يجثم علي أنفاسه، وستشهد سوريا تغييرات سياسية عميقة، لكن جيشها المنتصر لن يضعف، وستحظي المعارضة الداخلية التي حملت السلاح ضد الإرهاب بنصيب في المشاركة في السلطة، وإرساء عقد اجتماعي جديد، قد يعيد بعض الوهج الديمقراطي، لكن معارضة الخارج في اسطنبول والدوحة سيرتبط مصيرها بداعش والنصرة وليس بأكذوبة الجيش الحر.

أفول السلفية سيكون العنوان الأبرز، لكن ستظل الأزمات تلاحق دول المنطقة، التي اتضح مدي هشاشتها، وأن طبقتها الحاكمة قوت من هيمنتها علي حساب ضعف الدولة، فالعروش القوية تستند علي طبقة رقيقة وهشة من الزجاج اللامع، فلا مؤسسات ولا تنمية مستقلة تجعلها قادرة علي مواجهة التحديات الخارجية، التي ستستمر وإن بأشكال وتنظيمات جديدة، تضرب دولنا من الداخل والخارج، وانقشاع غبار الإرهاب ولو قليلا سوف يكشف عن حجم الأزمات الداخلية في دول المنطقة، وسيواجه الحكام قائمة طويلة من الاستحقاقات والمطالب، ولن يكون هناك متسع للمراوغة طويلا، وإلا فإن إعادة انتاج الأزمات سوف يطال العروش قبل الجيوش، فليست جماعات داعش والنصرة والقاعدة وغيرها مجرد صناعة أجنبية، بل أدوات محلية استفادت منها القوي الكبري الطامعة، كما أنها ليست مجرد عفاريت خرجت من قماقم الأفكار السلفية، وانما خرجت بفعل الغضب المكبوت والرفض لواقع يهمش الكثيرين، ويدفعهم للبحث عن عدالة في الأرض أو السماء، والتمرد علي مظالم لم تعد محتملة، ولن تكفي الحملات الإعلامية علي الأفكار المتطرفة لامتصاص الغضب، والخلود إلي الراحة.

قد يفسح هدوء عاصفة الإرهاب الطريق نحو مخرج، خاصة مع قرب نهاية عصر القطبية الأمريكية الواحدة، ووجود مساحات شاغرة وأكثر رحابة بين أفلاك الدول الكبري، لكن التحول من فلك إلي آخر ليس إلا حل الضعفاء، أما الأقوياء فينتهزون الفرص لتقوية قدراتهم الذاتية، وأن يكونوا قوة فاعلة، وليسوا وقودا أو رمادا للمعارك.

التفاؤل النسبي بانحسار أعلي موجات الإرهاب لا يكفي للابتسام، فالداء مازال موجودا، والجراثيم تعشش في الأوطان المتفسخة والهشة، وأول من ينهش فيها هي طبقة رجال أعمال تتاجر في الأوطان وبالأوطان، وعاجزة وغير راغبة في تغيير يمس احتكارها للثروة والسلطة، ومثل هذه الأوضاع تجعل من بلداننا عرضة للعواصف تلو الأخري، ولن يكون هدوء عاصفة الإرهاب إلا استراحة محدودة أو مقدمة لعواصف أخري، قد لا تقوي علي الصمود أمامها، مادامت التنمية متعثرة، والتعليم يحتضر، والصحة في ذمة الله، والبطالة تنتظر من يستثمرها في الداخل والخارج، والمؤسسات مشلولة وينخر فيها سوس الفساد، لتعم الفوضي، ولا يري الفاسدون مخرجا إلا القمع، لبناء دولهم فوق أشلاء الشعوب، وليست دولا للشعوب.