أكرم عطالله*
الفلسطيني بسيط في قياسات السياسة، لا يحسب كثيراً تعقيداتها وتشابكاتها، ليس لديه سوى مسطرة واحدة يقيس بها كل مجرات الكون والمسافات بين العواصم تبدأ وتنتهي بالنسبة له عند إسرائيل، فالمنظمة أو النقابة أو الدولة التي تقاطع إسرائيل هي صديقة له، وأصدقاء إسرائيل ليسوا حلفاؤه هكذا تبدو السياسة لديه وهكذا تنتهي بحسابات وطنية تزن كل شيء بميزان بائع الذهب فقد أصبحت وزيرة الخارجية السويدية "أولتستروم "شخصية محبوبة لدى الفلسطينيين حين هاجمتها إسرائيل بينما تحول الجنرال "السعودي" أنور عشقي إلى شخصية مكروهة لديهم عندما امتدح نتنياهو هكذا الأمور بكل بساطة وبكل تعقيد أيضاً.
تركيا وللتاريخ تحظى بمحبة واحترام الفلسطينيين، ففي السنوات الأخيرة شاكست إسرائيل إلى الحد الذي تقدمت فيه على دول عربية، لا ينسى الفلسطينيون ذلك اللقاء الصاخب الذي صرخ فيه الرئيس التركي الحالي رجب طيب أردوغان في مؤتمر دافوس أثناء عدوان 2008 على قطاع غزة في وجه الرئيس الإسرائيلي السابق شمعون بيرس موجهاً له تهمة ارتكاب المجازر، كان موقفاً رجولياً من صديق جسد صداقته وخفض مستوى التمثيل الدبلوماسي مع اسرائيل ثم جسد هذه الصداقة بالدم عندما استشهد تسعة من الأتراك وهم في طريقهم لفك الحصار عن قطاع غزة.
لا تنسى الدبلوماسية الفلسطينية دور أنقرة الداعم لها فقد نشطت قبل أكثر من ثلاث سنوات إلى جانب السياسة الرسمية الفلسطينية التي كانت تتحضر للحصول على عضوية دولة في الأمم المتحدة، وفي صيف 2012 استضافت تركيا اجتماعاً لسفراء فلسطين في العالم لدعم موقفهم وعندما تقدمت القيادة الفلسطينية بطلب العضوية تكفل وزير الخارجية الكندي بالدفاع عن إسرائيل، حينها اختفى دبلوماسيو العرب فيما كان وزير الخارجية التركي هو من يرد ويقدم مرافعة الضحية الفلسطيني. صحيح أن تركيا تدخلت في التوازنات الداخلية الفلسطينية لكن الفلسطينيين تجاهلوا ذلك لأن أنقرة ظلت على تواصل مع الجميع، مع حركة حماس وأيضاً مع السلطة وحيث أن تدهور العلاقة بين أنقرة وتل أبيب كان مدعاة لمزيد من الاحترام الفلسطيني لتركيا وخصوصاً حين وضعت شروطها لتسوية الأزمة مع حكومة نتنياهو وهو ما اعتبرته إسرائيل تعمد في استمرار الأزمة في تلك العلاقة وخصوصاً الشرط التركي برفع الحصار عن قطاع غزة. ما الذي حدث ليصبح خبر تجاهل إسرائيل لرسائل الغزل التركية هو الأول في الصحافة الإسرائيلية؟
كيف تنازلت تركيا إلى الحد الذي تبدو رسائلها لإسرائيل أشبه بالتودد فيما يمثل الرد الإسرائيلي بالتجاهل ببرود شديد نوع من الغطرسة والعجرفة التي ميزت حكومة اليمين، بل الأسوأ أن الصحف الإسرائيلية تنقل على لسان مسئولين في تلك الحكومة أن إسرائيل هي من باتت تضع شروط على تركيا قبولها والاستجابة لها حتى "تتنازل إسرائيل" بإعادة علاقتها بتركيا، ومن ضمن هذه الشروط طرد حركة حماس من تركيا وخصوصاً عضو المكتب السياسي صالح العاروري والذي تعرف إسرائيل أن تركيا لن تفعل، ليس هنا المهم، المهم هو أن إسرائيل هي الطرف الذي يضع الشروط.
كيف تم ذلك؟ لقد شهدت العلاقات الإسرائيلية التركية تدهوراً مدروساً من قبل أنقرة التي كانت تفتح علاقات مع الدول العربية وخصوصاً مع دول الجوار والكثير يذكر الصداقة التي كانت بين الرئيس أردوغان والرئيس السوري، وكذلك تطورت العلاقة مع إيران كدولتين اقليميتين كبيرتين، كانت تلك العلاقات أفضل تعويض وأكثر جدوى من إسرائيل، لكن السياسة التركية التي اندفعت بمغامرات خصومة مع كل جيرانها بدء من سوريا والعراق وإيران أحدث خللاً كبيراً في علاقاتها في الإقليم حاولت أن تتبع سياسة تصفير المشاكل وإذ بها صفر علاقات بفضل المغامرات في الساحة السورية. ما زاد من طين البلة التركية القرار المتسرع بإسقاط الطائرة الروسية، لم يكن سبباً لذلك فهي لم تكن طائرة معادية ولم تستهدف الأراضي التركية بل أن الرئيس الروسي كان ضيفاً قبلها بأسبوع على الرئيس التركي في أنطاكيا، وهي تشبه الطائرة الروسية التي اخترقت المجال الجوي الإسرائيلي لكن إسرائيل كانت أكثر ذكاء من تركيا وأقل عنترية منها ومع بدء الإجراءات العقابية الروسية وخصوصاً الغاز أصبحت تركيا تشعر ربما بتزايد الخصوم وهي خصومات صنعتها بلا أسباب حقيقية وبلا حسابات وهكذا لم يبق أمامها سوى إسرائيل بالرغم من أن التجارة بين البلدين لم تتأثر كثيراً خلال سنوات الأزمة السياسية. نتنياهو من ناحية يقرأ الموقف التركي بل أنه تمكن من توثيق علاقاته مع اليونان وقبرص بديلاً لتركيا ولم يعد بحاجة لتركيا طالما أن الميزان التجاري بين البلدين يسير بوتيرة أعلى، يدرك أن تركيا تريد الغاز الإسرائيلي، لقد قرأ تصريح أردوغان الذي يقول "أن تطور العلاقة بين تركيا وإسرائيل يخدم دول المنطقة "ربما أن نتنياهو يضحك عندما يسمع ذلك ويترك أردوغان بلا تعليق، ونحن نسمع ذلك ونقول في ذاتنا.. خسارة أن انقلبت الأمور بهذا الشكل.
* كاتب ومحلل سياسي من غزة
المقال منشور على صفحة موقع نبأ برس الإخباري
