خطاب الرئيس بمناسبة الثامن من آذار
تاريخ النشر : 2013-03-19 00:48

تضمن خطاب الرئيس محمود عباس، الذي وجهه للشعب الفلسطيني عشية الثامن من آذار، العناصر الأهم في الموقف الرسمي الفلسطيني، والرؤية النظرية الفلسطينية لموقع المرأة في دولة فلسطين الديمقراطية، التي تعد المرأة في بنودها بحقوق المواطنة في رحاب نظام ديمقراطي يلتزم نظامه الأساسي بمبدأ المساواة. وأهم ما في الخطاب، إعلان الرئيس عن توقيعه على وثيقة لجنة المرأة في الأمم المتحدة حول الخطوات الضرورية لإنهاء العنف الممارس ضد المرأة. لا أشكك بالمنطلقات النظرية الصحيحة كما وردت في الخطاب، لكني لست حاسمة بشأن تحقيقها، لأن ذلك يرتبط بتوفير عوامل واشتراطات، إن توفرتا تحققت النظرية، وإن لم توجد تلك العوامل والاشتراطات ضاعت النظرية وتشمَّعت. وتوفرها يتطلب وقف التردد بشأن النظرية والمضي قدما نحوها بآليات وخطط وإجراءات وترتيبات واضحة دون لُبس، والأهم أن تُخلق مناخات وأجواء مواتية لها، فتحقيق الديمقراطية والمساواة الجنسوية بحاجة إلى ثقافة ديمقراطية ومناخ منفتح يحملهما. التجربة العملية، يا سيادة الرئيس، تؤكد أن الإقرار بالمبدأ لا يعني تطبيقه، وبأن مجرد مساواة المرأة مع الرجل في المنطلقات النظرية؛ لا يعني أن قضية المساواة بين المرأة والرجل قد تم حلّها. ذلك أنّ غياب المساواة هو نتاج قرون طويلة من تهميش المرأة وتكريس دونيتها. ومُخرَجٌ لزمن طويل نمَّط أدوار المرأة والرجل الاجتماعية. وبالتالي تحتاج إلى نضال شاق وطويل النَفَس لإصلاح الجبهات الثقافية الفكرية والاجتماعية، وتكريس مفهوم أن قضايا المرأة لا تنفصم عن قضايا المجتمع، وأن الدفاع عن قضايا المرأة ومطالبها هو جزء من الحركة العامة للنضال الوطني والديمقراطي والاجتماعي. ان القيادات السياسية والمجتمعية تكرر وتردد دائما الحديث النظري، لكن أثره ضعيف في الممارسة والوعي الجمعي، وعليه يصبح القول الذي ورد في خطاب الرئيس: «إن الدولة الفلسطينية، فعلا لا قولاً، دولة ديمقراطية بكل ما تعنيه الديمقراطية من تقاليد وقيم» صحيح من الزاوية النظرية، اما قيمته العملية المقابلة أدنى من ذلك بكثير. لقد أسهم الخطاب النظري في رفع الوعي بقضية المرأة، وساهم في ظهور المراكز المدافعة عن حقوقها من زوايا ومداخل وأبعاد متعددة، لكنّ فقْد الأجواء الثقافية العامة، وضعف القوى السياسية العلمانية، خلق فجوات مجتمعية، وكذلك فصل قضية المرأة عن منظومتها الحقوقية الشاملة، لذلك لم يكن الوعي مجتزأً فقط، بل اتسم بسمات رجراجة ومترددة وخائفة. إن عملية الربط، كما جاءت في خطاب الرئيس، بين عملية بناء الديمقراطية وبين حق المرأة في المساواة صحيح تماما. وأهمية ذلك نراه حالياً وبشكل عملي في الدول العربية التي شهدت تحولات ثورية أطاحت بأنظمة، لكنها لم تستكمل هدفها في بناء الديمقراطية. وهو الأمر الذي يؤكد ان عملية التحول الديمقراطي ليست سهلة، ولا تسير باستقامة نحو هدفها. لقد خرجت منها قوى ساهمت في الثورة فور تحقيق مصالحها السياسية، واستنكفت وتنكرت للمشاركة في استكمال البناء الديمقراطي وبناء الدولة المدنية وناصبتهما العداء، واصطفت بالخندق مع القوى التي أُطيح بها، لأن برامجها وخلفياتها الفكرية الأصولية تتناقض مع مضمون الدولة المدنية. سيادة الرئيس، إن توقيعكم على وثيقة لجنة المرأة في الأمم المتحدة، في أعقاب حصول فلسطين على عضوية دولة بصفة مراقب في الأمم المتحدة قد أحدث تغييراً على مركزها القانوني، حيث يترتب عليه استكمال الاجراءات التي لم تتم في عام 2009 على صعيد الانضمام لاتفاقية القضاء على أشكال التمييز ضد المرأة «سيداو»، وكذلك الالتزام بمقاربة التواقيع بسياسات وتدخلات، تلعب فيها القوانين دورها كإحدى الخطوات القائدة لوقف العنف الاجتماعي من جهة، وهي البنود القانونية التي تعتمد على تبني آليات الوقاية والحماية وتوفير الخدمات، وهي الخطط التي تخلق بيئة مواتية تنظِّر لاجتثاث العنف وتجريمه في الوعي المجتمعي، وتهيئ الظروف العازلة للعنف المستند على التمييز والفروق الجنسية. إن الخطاب الرئاسي ينطوي على عناصر هامة، تشكل حجر الأساس في دعم قضية المرأة، لكن المرأة لا زالت تأمل باتخاذ الاجراءات الاستكمالية، التي من شأنها تثبيت الخطوات العملية وإشاعة الثقافة المجتمعية التي تصب في المنحى الديمقراطي العام، وهي مهمة مطروحة على الجميع، بدءا بالقوى السياسية والاجتماعية الحريصة، فعلاً لا قولاً، على توفير مقومات الديمقراطية والتنمية الشاملة، والتعبئة الوطنية على طريق التحرر الوطني والديمقراطي.ت