من كان يصدق أن إسرائيل التي بدت في العام 2011 في لحظة ضعف فارقة في تاريخها، أصبحت في العام 2015 الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تتمتع بالأمن ولا يعكر أمنها إلا بعض الفتية الصغار ممن فقدوا الأمل في حياة بلا ذل خالية من الاحتلال. في العام 2011 خسرت إسرائيل مصر بفعل انتفاضة شعبية أطاحت بالرئيس مبارك وكان من المتوقع مع مرور الوقت أن تفتح مصر حدودها لغزة وأن تسقط حصار إسرائيل عنها بفتح بوابة رفح. في المقابل، كانت علاقة إسرائيل بتركيا سيئة جداً بعد حادثة مرمرة تحديداً.. وإيران كانت تقترب بقوة من حدودها عبر بوابات لبنان وغزة وسورية. لكنها لحظة لم تدم، في أقل من سنتين تحولت غزة في نظر نظام الحكم الجديد في مصر إلى مصدر يهدد أمنها. تركيا أصبحت مشغولة بإسقاط النظام السوري والدفء عاد لعلاقتها بإسرئيل. تركيا تجرأت على إسقاط طائرة روسية بحجة مرورها لمدة 17 ثانية في أجوائها، لكنها لم تقطع علاقاتها الاقتصادية بإسرئيل عندما قتلت الأخيرة مجموعة من المواطنين الأتراك المسالمين في عرض البحر، ولم تسقط لإسرائيل طائرة عسكرية واحدة. أولوية تركيا أصبحت العمل على إقامة نظام موال لها في سورية ولا مانع خلال ذلك من تحييد إسرائيل، بل وكسب ودها إذا كان في ذلك فائدة. تركيا تسلح من تدعي بأنهم ثوار في سورية وتزودهم بكل ما يحتاجونه، لكن عندما يتعلق الأمر بفلسطين فإن أكثر ما يمكن الحصول عليه هو كلام أردوغان الجميل عن الظلم الذي يتعرض له شعب فلسطين. إيران بدورها أصبحت في موقع الدفاع عن حلفائها، انتهت علاقتها بغزة. أموالها وأسلحتها تم تسخيرها للدفاع عن محور كان من المفروض أن يكون عدوه الأساس إسرائيل، لكنه اليوم يحارب داعش في سورية والعراق، ويدافع عن نفسه في لبنان واليمن. إسرائيل أصبحت حرة، لا يهدد أمنها ولا يعكر حياتها اليومية غير فتيات وفتيان فلسطين الذين يفضلون الموت على حياة العبيد. للبعض من اليسار الغريب - هذه مؤامرة أميركية - غربية: فوضى خلاقة هدفها إعادة رسم خارطة المنطقة. لكن لماذا يريد الغرب رسم خرائط جديدة لمنطقة كانت الخرائط القديمة فيها لمصلحة الغرب. اليسار الغريب لا يقدم لنا جوابا معقولاً. للبعض من اليمين الإسلامي الانتهازي - هذه أيضاً مؤامرة أميركية - غربية هدفها تمكين إيران من المنطقة. لماذا؟ لأن الأخيرة أصبحت حليفا للغرب بعد الاتفاق النووي! لا يوجد أحد يرغب بقول الحقيقة: لم يكن ما جرى في مصر قدراً لا راد له. لم تكن مؤامرة. النخب الإسلامية بغبائها الشديد فضلت مواجهة حلفائها في الثورة بدلاً من استرضائهم والتمسك بهم حتى يمكنهم العمل معاً على إخراج مصر من مشاكلها العميقة: الفقر وانعدام البنى التحتية، وعدم وجود قاعدة صناعية، ونسبة عالية من الأمية. نفس النخبة الغبية فضلت التحالف مع أنظمة عربية لا يهمها فلسطين ولا تهمها الديمقراطية في مصر وبدلاً من التعامل مع إيران كدولة جوار يمكن الاستفادة منها فضلت هذه النخبة معاداتها إرضاءً لحلفائها العرب. النخب الليبرالية لم يكونوا أفضل. بدلاً من تحمل الإسلاميين لأربع سنوات في الحكم والعمل على بناء أحزاب قوية حتى تتنافس بنزاهة وبندية على الحكم، فضلوا الطريق المختصرة: استدعاء الجيش للتدخل ضد الإسلاميين وكأن العسكر يؤمن بالديمقراطية. لا يوجد عسكر في العالم كله يؤمن بالديمقراطية لكنهم يقبلون بها عندما ترفض جميع الأطراف إعطاءهم شرعية التدخل في السياسة. لم يكن ما جرى في سورية مؤامرة غربية. هي مؤامرة عربية استفاد منها الغرب وتعامل معها، لكنه لم يخطط لها. أيضاً، لم يكن من الممكن أن تنجح المؤامرة لو أن النظام السوري كان على استعداد لإجراء إصلاحات جذرية، ولم يكن للمؤامرة أن تنجح لو وقف التيار الإسلامي - الإخواني ضدها، لكن الطائفية المقيتة والرغبة في التقرب من بعض العرب كانت أقوى من مصلحة الشعب السوري. المؤامرة كما نفهما ليست العمل على إسقاط النظام ولكن العمل على إسقاطه بالقوة المسلحة: على تدمير جيشه، على استبدال الفعل الشعبي السلمي بمجموعات إرهابية عسكرية لا تؤمن بالحرية والمدنية وحقوق الإنسان. ومثلما لا توجد مؤامرة غربية في مصر وسورية، لا توجد مؤامرة غربية في اليمن كما يدعي حزب الله. كان بإمكان النخب اليمنية أن تحمي شعبها من التدخل العربي الخارجي لو اختارت مصلحة شعبها. الحوثيون فضلوا التحالف مع العقيد فاقد الشرعية بعد أن لفظتهم حكومة هادي وحزب الإصلاح. الأخير ولدواعٍ أيديولوجية اختار تحالفا خارجيا ضد جزء من شعبه بدلاً من التوصل لمقاربة سياسية مع خصومة. داعش أيضاً ليست مؤامرة غربية. هي نتاج للاحتلال الأميركي للعراق وللطائفية المقيتة لنظام المالكي لكنها ليست مدعومة من الغرب كما يدعي اليسار، وليست مدعومة من النظام السوري كما يدعي الإسلاميون. داعش أيديولوجيا لا يحاربها الإسلاميون المعتدلون، ولنا أن نتساءل لماذا لا يقومون بذلك؟ هل يعود السبب إلى أن ما يجمعهم بها أكبر مما يفرقهم عنها؟ هل هو الرغبة بالاستفادة منها للادعاء بأن بديل الإسلام السياسي المعتدل هو إسلام سياسي دموي؟ أم أن السبب يعود إلى أن أولويتهم هي محاربة إيران في المنطقة؟ سياسة الغرب تحكمها مصالح الغرب. لكن هل تحكم سياسات العرب مصالح العرب؟! من السهل تجريد الذات من المسؤولية ولعن الغرب كل صبح ومساء، لكن هذا لن يحل مشاكل العرب لأن مشكلتهم هي في نخبهم التي تعمل ضد مصالح شعوبها وليس في أي مكان آخر من العالم.
مشكلة العرب أنفسهم!
تاريخ النشر : 2015-12-04 11:19
