غزة- نوى - مرح الواديّة:
في قطاع غزّة، تمتلئ المقاهي بالشبان الذين يحملون أجهزتهم الإلكترونيّة محدّقين في الشّاشات، وإن كان الأمر مشترك بين معظم الشبّان في العالم، إلا أن الأمر مختلف هنا فلا خيارات أمامهم سوى تمضية الوقت بين أروقة شبكات التواصل الاجتماعي.
تشعر الشّابة رؤى الشيخ والتي أشرفت على إنهاء دراستها الجامعيّة أنها أضحت أداة تستهلكها وسائل التواصل الاجتماعي بشكل تلقائي، دون أي انتباه، حتى في فترات الامتحانات، تمسك هاتفها الذكي وتبدأ بتصفّح حساباتها الشخصيّة على "فايسبوك" و"تويتر"، عدا عن ذلك، تقول الشيخ لـ"شبكة نوى" أنها وصديقاتها يتفّقن بشكل شبه يومي على أن يجتمعن في أحد المقاهي لمناقشة بعض الأمور الشخصية، الجامعية، وحتى أوضاع البلاد إلا أنهن يجدن أنفسهن قد اجتمعن على طاولة واحدة و"جروب" واحد كان قد شكّلنه على "فايسبوك" إذ يصبح تواصلهم إلكتروني وهم في نفس ذات المكان.
تتابع أنهن وخلال الجلسة، تضع إحداهن منشورًا تشير به إلى اسم المكان أو المقهى المتواجدات فيه، ومن ثمّ تشير إلى أسماء صديقاتها اللاتي يرافقنها، ومن هنا تبدأ التعليقات والحوارات على المنشور لا سيّما وأنهن يسارعن إلى التواصل على المنشور غافلين جلستهم في العالم الموازي بل يحدّقن النظر في شاشات أجهزتهم ويتبادلن الحديث مع الآخر وآخرين في أماكن ثانية.
بينما يرى حسين مهدي أن الشخص الذي يكون بين أصدقائه ويذهب إلى الحديث عن أي شعور أو حدث حصل معه على وسائل التواصل الاجتماعي إنّما يعبّر عن انفصام في شخصيّته. يتفق مع القول إن هذا الفعل يمثّل نوع من أنواع الهروب من الواقع البائس الذي يعانيه الشباب إلّا أنّه حل مستفز ويكرّس من أزمات نفسية أخرى لهؤلاء الشباب.
ويحاول مهدي أن يفرض على أصدقائه عدم الانسياق في الظاهرة بالقوّة من خلال فصل الانترنت عن المكان الذي يجتمعون به ومن يخالف او يعترض على هذا يجنبون عنه ويتركوه إلى أن يرضخ أخيرًا ويقبل العزوف عن التواصل الالكتروني خلال جلستهم. في حين وجد أنس سمحان أن الحل في التغلّب على هذه الظاهرة في وسط أصدقائه هو اتفاق مسبق يقضي بوجوب دفع الفاتورة للمقهى من قبل الشخص الذي يستخدم الانترنت وهو يلفت إلى أنّه أوّل من وقع بها مشيرًا: "أنا الآن أغلق حسابي على موقع فايسبوك وقمت بحذف التطبيقات الأخرى كي لا أضطر لاستخدامها على الهاتف عند تواجدي خارج المنزل. وأكتفي بتصفّح البريد الإلكتروني في أوقات معيّنة وأعي قيمة أي جلسة بيني وبين أصدقائي في العالم الموازي."
في الواقع، لا تجد حنين هاشم أي حرج في القول إنّها مدمنة على استخدام هذه الوسائل ومولعة بمشاركة تفاصيل حياتها لجموع الأصدقاء لديها، انطلاقًا من مبدأ الحرمان الذي تشهده في قطاع غزّة والذي يمثّل وسط معيّن من الأصدقاء الواقعيّين تم فرضه عليها من قبل عائلتها ما اضطرّها إلى تشكيل عالم جديد عبر الفضاء الإلكتروني تشعر به بالانفتاح على العالم والحرّية في اختيار الأصدقاء – حسب قولها -.
وتفضّل حنين اللجوء إلى هاتفها عند مواجهة أي مشكلة، أو حدوث أي مناسبة سعيدة لتعبّر عن مشاعرها. هذا في الوقت الذي ترفض به الواقع قائلة: "لو ركّزت في الواقع وقرّرت التعامل معه بجديّة معه فقد أنتحر،" وتتساءل "لو قلّلنا من استخدامنا لهذه الوسائل فماذا ستكون النتيجة الإيجابيّة التي سنخرج بها؟ سنزيد الهموم على أنفسنا ليس إلا ثم نموت بحسرة فاتركونا وعالمنا بشأننا."
