في اجهاض المواجهة مع الاحتلال.. من المسؤول؟
تاريخ النشر : 2015-12-03 14:04


سيقول البعض "الانتفاضة مستمرة"، وسأرد أن المواجهة مستمرة وليس منذ أكتوبر، بل منذ بدأ الاحتلال، تتصاعد وتهدأ بموجات وهبات وانتفاضات وصمود أيضاً. إذن من المسؤول عن عدم اتساعها أفقياً، بل واحياناً التمني- الذي يصل حد الفعل- بأن تنتهي؟
"جميعنا مسؤول وإن بدرجات متفاوتة"، اجابة مائعة تعني ضياع المساءلة والمحاسبة، وتعني عدم القدرة على تحديد مواطن الخلل لسدها أو ترقيعها كأضعف الإيمان.
الرئيس هو المسؤول الأول، ليس لأنه حرض عليها في خطابه في الأمم المتحدة- هو يلوح بتهديدات فقط، ولا يحرض أبداً، فمنذ استلم الحكم يدعو لمقاومة سلمية ولمدة عشر سنوات، لم يدعمها، ولم يؤسس لها فتحولت لاضاءة شمعة واغنية على دوار المنارة وغير مسموح لها بالوصول لمقر حكمه "المقاطعة" حتى لو لم يكن فيه!
الرئيس مسؤول (بكل الوظائف التي يحملها، كرئيس سلطة، ومنظمة، وقائد قوات مسلحة، ورئيس لأكبر حركة سياسية.. إلخ من الوظائف)، مسؤول عن الدعوة لعقد المجلس الوطني، والاطار القيادي المؤقت، واللجنة التنفيذية والمركزية ومجلس الأمن الفلسطيني والحكومة، ليس فقط لبحث الوضع وتشخيصه، بل لاتخاذ خطوات جدية أهمها الحديث مع الشعب الذي يبحث عن قائد، وثانيها، اتخاذ اجراءات على الارض سريعة مثل اقالة الحكومة وتشكيل حكومة وحدة وطنية، والذهاب إلى غزة، ولا تنتهي بملف الجرائم والخطاب الإعلامي الموجه للغرب والعرب. الرئيس لا زال ينتظر الفعل من حكومة الاحتلال وراعيتها الأمريكية، لا زال يرزح في مساحة الشكوى والبكائيات التي أثبتت فشلها في 67 عام من النكبة المستمرة.

حركة حماس مسؤولة: مسؤولة لأنها الحاكم الفعلي لقطاع غزة، ومساهمتها في اجهاض المواجهة يبدأ من تشجيعها الشباب للوصول لحدود مكشوفة ومواجهة "انتحارية" مع الاحتلال على أطراف القطاع، ليسقطوا شهداء وجرحى، قلنا لحماس، الصمت صلاة، فصلوا كثيراً.. حماس لم تصلي بل شغلت القطاع واهله وقطاع عريض يعيش خارج غزة المحاصرة بقضايا فرعية فمرة سعر رغيف الشاورما، ومرة منع حفلات الأعراس في الشوارع، ولاحقاً مصيبة المصائب حول توزيع الأراض على الموظفين كتعويضات عن الراتب، وانشغل أهل القطاع، وتندروا كيف سيسددون قسط المدرسة، وديون البقال "سم أرض، قطعة حجر أو حبتين رمل". غزة طورت ادوات تواصل مع العالم خلال الحروب الاسرائيلية المتكررة عليها، لم يتم تجنيدها لدعم الضفة، وحماس التي لم تشارك في أي مقاومة شعبية بحجة الانكشاف للاحتلال والمطاردة من السلطة في الضفة، لا زالت تحجم عن المشاركة عبر عناصرها المنتشرون في كل الضفة، وقد يكون الاستثناء في الخليل.

الفصائل الفلسطينية: الفصائل مسؤولة حين صمتت عن الانقسام وقبلت بأن تكون المصالحة قضية فتحاوية حمساوية، في وقت يدفع فيه الشعب كله الثمن، الفصائل مسؤولة حين ارتبكت وصدرت خطابات ودعوات لأيام غضب ضد الاحتلال وعجزت عن تجنيد حتى أعضائها للمشاركة، ومع ذلك استمرت في شغل مقاعدها كشاهد زور في اللجنة التنفيذية واللجان المركزية وغيرها، وكأن الفصائل تراهن ان الشباب لن يخطو أي خطوة باتجاه هز كراسيهم، وقد يكسبون الرهان ولكن إلى حين. قيادات الفصائل تحاول الحفاظ على مكاسبها ومقاعدها تحت سقف أوسلو بمن في ذلك أولئك الذين يعارضونه إعلامياً.

المجتمع المدني: صحيح لا يمكن وضع مكوناته كلها في سلة واحدة، فمؤسسات حقوق الانسان تجهد في التوثيق وجمع الأدلة لادانة الاحتلال، ولكن الغياب الواضح لأغلب المكونات الأخرى وعلى رأسها النقابات والاتحادات بدى واضحاً وطرح أسئلة "مشروعة" حول دورها ومدى تحولها لأداة بالكاد تتفاعل مع واقعها، هل هي اسيرة للممول؟ أم أسيرة لحسابات شخصية وزبائنية ضيقة؟ليس مطلوب من المجتمع المدني أن يقود مسيرات مقاومة على الحواجز، بل أن يقدم اجابات حول الصمود، أن يستشرف سيناريوهات المستقبل، أن لا يقبل الأطر القائمة ولا يصفق لها، أن يضغط ليس لاقرار قوانين في غياب المشرع، وتحسين ظروف الاحتلال لأن هذا ترف، مطلوب أن ينظم، ويقدم البدائل للناس التي تدفع الثمن دون أدوات تساعده على الصمود، مطلوب منه أن يصنع ميادين تحرير ويعتصم ليل نهار ليضغط على القيادة لتغيير نهجها، فالرسائل والمناشدات لا تجدي يا سادة!

رأس المال الفلسطيني: قد يكون المستفيد الأول من اجهاض أي مواجهة- ليس لأنه ليس وطنياً، ولكن رأس المال جبان وعابر للهويات والحدود، وكلما زادت القيود التي يفرضها الاحتلال رداً على موجات المواجهة، سيستمر رأس المال الاحتكاري الخدماتي فقط، اما رأس المال الذي يمكن أن يؤسس لتنمية اقتصادية- ولو منقوصة- فسيجد ألف عذر وعذر ليهاجر، يقال أن السنوات الثلاث الأخيرة وحدها شهدت هجرة 6 مليار دولار من البلاد!

النخبة: وأحددها هنا بالنخبة الاجتماعية أي قادة الرأي العام والمؤثرين فيه ويشكلون اتجاهات الرأي العام وتوجهات المجتمع، هي نخبة في أغلبها تعيد انتاج ذات الأفكار وبدل ان تقود أو أن تقدم خطاباً استشرافياً ناقداً للمؤسسة الرسمية والفصائلية، تتماهى معها وتبرر لها، فتحولت لمرآة تشخيص وجدل عقيم، ولم تقدم للمواجهة الحالية أي تصورات لاستثمارها وتحويلها أداة تراكم، انقسامها وليس تعدديتها عامل جدي في اجهاض هذه المواجهة وأي مواجهة مقبلة- شاعر البلاط لن يغني إلا ما يطرب السلطان!

الشباب: قد يكون الشباب هم الأقل مسؤولية، لانهم ضحية كل ما سبق، وصار مطلوب منهم ان يدافعوا عن وطنيتهم، ويدافعوا عن العمليات الفردية ولماذا السكين والمفك؟ وهل هي انتفاضة أم هبة؟ الشباب مسؤول – بدرجة أقل جداً- أنه لم ينسق ميدانياً ولم يقف ليطور ويحلل وباالتالي يبدع، الابداع ظهر في الحرب على قطاع غزة بقطع الكهرباء عن المستوطنات، وباشغال جيش الاحتلال بكيس زبالة في طريق مستوطنة.. أشكال المقاومة متعددة مارسها الشباب، وفي مواجهة اليوم انحشر في سكين وحجر على الحاجز. الشباب لم يحسم الجدلية بمن يأتي أولاً، مواجهة الاحتلال الصهيوني لانهائه، أم مواجهة المؤسسة الرسمية والفصائلية لتعود لرشدها ولشعبها ولأهداف دفع ثمنها شعب يناضل من أجل الحرية.

العامل الوحيد -للأسف- الذي سيسهم في اتساع قاعدة المواجهة لتتطور موضوعياً لمعركة شاملة- ليس بالمعنى الحربي لكلمةمعركة- هو نتنياهو وصلافته وعنفه وجيش احتلاله وصمت العالم بل مباركته ومكافاته للاحتلال على جرائمه.
مرة أخرى لسنا من يقوم بالفعل، ومرة ألف سنبقى في دائرة رد الفعل، ما لم تقم كل المكونات السابقة بمراجعة عملها وبرامجها وتركيبتها للبدء من المربع الأول وهو: إما نحن، وإما الاحتلال.