لم تكن حادثة القتل التي شهدتها محافظة الوسطى، أول جريمة ترتكب بحق النساء، بل سبقتها الكثير من الجرائم، وأسدل عليها الستار دون إكمال التحقيق والقصاص من الجناة.
كل فترة تطالعنا المواقع الالكترونية ووسائل الإعلام الأخرى بحادثة قتل لامرأة هنا أو هناك، وتبدأ حينها ردود الفعل من قبل المؤسسات والناشطين والمؤسسات الحقوقية، يتبارون في نشر بيانات الاستنكار، قد يمتد الأمر لتنظيم مسيرة أمام مكتب النائب العام كما حصل في العام الماضي ومن ثم كل شي يذهب مع الريح.
ليست القضية في عدد النساء اللواتي يقتلن كل فترة، فكل قضية تشكل جريمة مجتمعية كاملة، تلقى بتبعاتها على الأسرة أولاَ ومن ثم المجتمع، في ظل تواطؤ مجتمعي وقانوني حيال هذه الجرائم التي تصنف ضمن الدفاع عن الشرف، وترفع القبعة لمن ينقذ شرف العائلة.
لم نسمع أن جريمة قتل النساء تحظي بمحاكمة مرتكبي هذه الجريمة إلا في حالات نادرة جداً على خلاف الجرائم الأخرى ، وأمام إصرار أسرة المقتول وتمسكهم بتحقيق العدالة وأخذ حقهم، يتم في بعض الحالات إعدام مرتكبو هذه الجرائم.
هكذا يتعامل القضاء بازدواجية واضحة حيال نفس الجريمة المرتكبة فالقتل هو القتل والجريمة هي الجريمة بكل أركانها، ولكن تقف الثقافة المجتمعية كحائط صد أمام تنفيذ العدالة وتبقى هذه الجرائم حبيسة أدراج مكاتب الشرطة ولا يسمح بالبوح بتفاصيلها لوسائل الإعلام المختلفة.
أمام هذه الحالة المأزومة في قطاع غزة وازدياد نسب العنف المجتمعي والنزاعات العائلية، البعض يرجع هذا التنامي إلى تراخى المجتمع وقطاع العدالة حيال هذه الجرائم تحت ذريعة أننا في حالة صراع دائم مع الاحتلال الإسرائيلي، ونحن ما زلنا نبحث عن تحقيق جزء يسير من العدالة الانتقالية في ظل تكالب المجتمع الدولي ضد القضية والمشروع الوطني الفلسطيني.
في ذات الوقت لا ننكر أثر الانقسام في تنامي العديد من المشكلات الاجتماعية في القطاع، والتي أفضت إلى هذا الوضع وانعدام الأمن المجتمعي، وزيادة معدلات العنف والنزاعات العائلية، في ظل غياب أي أفق لحل سياسي للقضية الفلسطينية، من جانب وتعطل عملية المصالحة الفلسطينية، وعدم إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية تعيد الحياة الديمقراطية للمجتمع، كل هذه الأوضاع شكلت بيئة خصبة لتنامي ظاهرة العنف والقتل في قطاع غزة.
عود عن بدء تبقى هناك أزمة في الثقافة المجتمعية القبلية التي ما زالت تتعامل مع قضايا قتل النساء كأنها شيء طبيعي، وتلقى التهم على النساء أنفسهن وتعفي الطرف الآخر من المسؤولية، هذا إلى جانب عدم التعاطي الإعلامي المتواصل مع تلك القضايا، والتي غالباً ما تكون على شكل هبات بين فترة وأخرى حينما تحدث جريمة قتل.
ويبقى عدم توحيد القوانين بين الضفة والقطاع والحزم في تنفيذ الأحكام تبقى أيضا من ضمن المحفزات على استمرار وقوع هذه الجريمة، وأخذ القانون باليد من قبل الأفراد والعائلات في ظل هذا التراخي القانوني والمجتمعي حيال هذه القضية المجتمعية الخطيرة.
