درج مفكرون وأكاديميون على الإدلاء بدلوهم في الأزمة السياسية والوطنية التي يعيشها الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن تواجده. غير أن (مؤتمر دور فلسطين الداخل في المشروع الوطني) الذي نظمته «مؤسسة الدراسات الفلسطينية» و»مركز مدى الكرمل»، بمشاركة عشرات الأكاديميين والمفكرين والسياسيين والشباب والشابات، شكل نقلة مهمة في عرض وسجال الأفكار ونقد الواقع واستشراف المستقبل. فعالية فكرية جاءت كمحاولة للإجابة عن الأسئلة التي يطرحها الواقع، في لحظة يحاول فيها جيل فلسطيني جديد ممارسة حق النقض على الاستباحة الكولونيالية الإسرائيلية للكل الفلسطيني، مقابل عجز المؤسسة السياسية الرسمية في الخروج من المأزق. هل تحاول النخب الفلسطينية محاكاة مؤتمر هرتسيليا الإسرائيلي الذي يعقد سنوياً بمشاركة النخب السياسية والأكاديمية والأمنية لمناقشة ميزان المناعة، والمستقبل والأخطار الداخلية والخارجية. يجوز الاعتقاد بذلك، مع وجود فارق هائل في كم ومستوى الأبحاث وفي الموازنة الكبيرة التي ترصد لتلك الغاية، وقد لعبت المخاوف والمخاطر التي تواجه مكونات الشعب الفلسطيني إلى مستوى من استنفار المستوى الثقافي الأكاديمي في الشتات والداخل وداخل الداخل، بحثاً عن مقومات الدفاع عن الحقوق الوطنية والمدنية لعموم الشعب الفلسطيني. (مؤتمر دور فلسطين الداخل في المشروع الوطني)، ذهب إلى أبعد من عنوانه، ففي كلماتهم الافتتاحية، قال البروفيسور خليل الهندي: إن المؤتمر «سيبحث في استراتيجيات وآليات العمل الفلسطيني ككل»، سيما ونحن «بصدد معركة تاريخية طويلة وقاسية، في غياب حل سياسي قريب». ورأى البروفيسور نديم روحانا في المؤتمر جزءاً من المقاومة الفلسطينية الفكرية والأكاديمية. وقال د. غسان الخطيب: المؤتمر محاولة « لربط أفكار الباحثين مع الرأي العام الفلسطيني». توقف المؤتمر في أوراقه ونقاشاته عند دور المستوى الثقافي، وقيل: إن الحقل الثقافي حر وغير مقيد بدكتاتورية الجغرافيا السياسية ولا بموازين القوى السياسية والعسكرية ومتحرر من المؤسسة السياسية ويستمد من هذه الخصوصية قدرة على النقد. وواقع الحال أن هذا ينطبق نسبياً على بعض المؤسسات وعلى فئة من الأكاديميين والمثقفين؛ لأن الكثير من المؤسسات الثقافية والكثير من المثقفين يخضعون أو يراعون سياسة الممولين والسلطات حفاظاً على مصالح خاصة، وفي هذا المجال، كم كان دور البترودولار قوياً في إحداث اختراقات خطيرة على الجبهة الثقافية، ولم يكن بمستطاع الغزو الوهابي أن يدعم التحولات الرجعية الكبيرة وينشر الفكر التكفيري في عموم بلدان العالم العربي بمعزل عن غياب أو هامشية وضعف مقاومة الفكر التنويري العقلاني التحرري للغزو. العلاقة بين المستوى الثقافي والمستوى السياسي الفلسطيني شهدت حالة من المد تركت بصماتها الإيجابية على السياسات، وشهدت حالة من الجزر بدا فيها المستوى السياسي في أضعف مستوى له، ذلك الضعف الذي يعكس من جهة أخرى ضعف التدخل والنقد من قبل المستوى الثقافي. ولا يمكن انتظار فشل المستوى السياسي كي يتدخل الحقل الثقافي، ذلك أن الرقابة والتدخل والنقد والحث على التغيير مطلوب في كل الأوقات، بما في ذلك قطع الطريق على الفشل. تقول التجربة: إن المثقف الفرد مهما بلغ فكره من تقدم وعمق وإثراء، لا يستطيع التأثير بمفرده على المستوى السياسي. هذا ما تقوله تجربة المفكر إدوارد سعيد الذي ترك كتابه (الاستشراق) بصمات في كل مكان عدا العالم العربي وعدا فلسطين بشكل خاص. بعض المؤسسات وفي مقدمتها مؤسسة الدراسات الفلسطينية تحاول تدارك ذلك، بالشراكة مع مؤسسات وكفاءات فكرية وأكاديمية فردية متناثرة في فلسطين وخارجها، وبفتح جسور مع القوى السياسية وأجزائها الحية. القضية الأهم التي جرى تداولها في الأوراق والنقاش هي (المشروع الوطني الجامع)، والبعض تساءل، هل يوجد مشروع وطني لكل مكونات الشعب الفلسطيني؟ وما هي مصلحة كل مكون فيه؟ والبعض دعا إلى صياغة مشروع وطني جديد وعلاقات جديدة بين المكونات. كانت منظمة التحرير قد طرحت عبر الميثاق الوطني أو البرنامج السياسي ما يشبه «عقداً وطنياً اجتماعياً» يتضمن الحقوق الوطنية الكاملة لعموم الشعب «عبر التحرير الذي يستند أساساً إلى الدول العربية، ثم تقلصت الحقوق إلى الحد الأدنى الوطني بسقف قرارات الشرعية الدولية» إقامة دولة في حدود الرابع من حزيران، عودة اللاجئين، وأضيف إليه حقوق المواطنة والمساواة للأقلية الفلسطينية في إسرائيل. وقد وجدت فيه أكثرية في الداخل والخارج تعبيراً عن مصالحها، غير أن هذا العقد انفرط عملياً بعد اتفاق أوسلو الذي كان الهدف الإسرائيلي منه فصل وتفكيك المكونات الثلاثة عن بعضها البعض وخلق تناقضات في ما بينها. وعزز صعود حركة حماس والإسلام السياسي الذي يتعارض برنامجه الخاص مع برنامج المنظمة، وتتناقض أيديولوجيته عملياً مع التعدد الثقافي والديني ومع العلمانية والديمقراطية والانفتاح والحريات العامة والخاصة. إن انهيار حل الدولتين بفعل الرفض الإسرائيلي، واعتماد حل الأبارتهايد في الضفة والتطهير العرقي في القدس، والكارثة التي أحلت بمخيمات سورية ولبنان والتجمعات الفلسطينية في العراق وليبيا، كل هذه المخاطر الداهمة طرحت على المكونات الفلسطينية ضرورة إعادة النظر في المشروع الوطني الذي يستدعي تجديد العقد الوطني الاجتماعي على أسس ديمقراطية جديدة. هذه المهمة ما زالت قيد البحث، رغم أن المؤتمر أضاء الطريق إليها، وكشف الدور الصاعد لفلسطينيي الـ48 الذي انطلق من نجاح استراتيجية البقاء، ومن الدور المميز في الحقل الثقافي وتكريس الهوية الوطنية، ومن تحقيق صيغ وحدوية وجبهوية لافتة، هذا الدور يساهم الآن في تطوير وصوغ أولويات الحركة الوطنية. وطرح المؤتمر أفكاراً مهمة كضرورة العلاقة مع إسرائيليين مناهضين للعنصرية والاحتلال الكولونيالي، وضرورة إعادة بناء التحالفات الفلسطينية مع القوى الديمقراطية عربياً وعالمياً، وأهمية أن يضطلع التعليم بتقوية الهوية الوطنية الجامعة في مواجهة الهويات الفرعية – الطائفية والعشائرية والعائلية والجهوية. كما قدم المؤتمر مبادرات وتجارب شبابية ونسوية وحدوية من نوع: «مشروع متحركين لأجل فلسطين لا حدود لهويتنا» الذي يضم عشرات الشباب والشابات من مناطق 48 والضفة والقطاع، وحركة «ارفض شعبك بيحميك» الذي يدعو الشباب الدروز إلى رفض الخدمة في جيش الاحتلال، وشبكة تواصل الشبابية الطلابية التي تستهدف تعريف الشباب بوطنهم وبناء كيان شبابي واع لذاته وهويته. وتعزز المؤتمر باستبيان رأي عام في الضفة والقطاع ومناطق 48 الذي أحدث تواصلاً مع مزاج ومواقف المواطنين التلقائية. بكل المقاييس نجح المؤتمر في خلق تفاعل جدي بين النخب في الخارج والداخل، بانتظار المزيد. بقي سؤال: هل يمكن توحيد جهود المؤسسات البحثية والأكاديمية في مؤتمر سنوي مركزي واحد يستند إلى معايير مهنية ويطرح الأفكار ويجيب عن الأسئلة ويتوقف عند عناصر الضعف والمخاطر وعناصر القوة؟
مشروع وطني جامع ما زال قيد الدرس!
تاريخ النشر : 2015-11-24 08:18
