غزة- أسماء الغول- نقلاً عن المونيتور:
لا تستطيع مريم.ج (50 عاماً) أن تحضّر الطعام لعائلتها، من دون أن تشعر بألم شديد في ساقيها وظهرها. فلا تزال مريم تعاني من آلام على أثر تعذيب شديد لها في أحد مراكز التوقيف الشرطيّة في مدينة خانيونس، جنوب قطاع غزّة، على إثر العثور على كميّات من عقار "الترامادول" المحظور تداوله، في المكان الذي تتواجد فيه، في شهر تشرين الأوّل/أكتوبر 2014.
وتقول مريم التي تسكن في خانيونس لـ"المونيتور": "أثناء التحقيق معي، تمّ ضربي بعنف وركلي بالأقدام على أنحاء جسدي كافّة من قبل محقّقين رجال من إدارة مكافحة المخدّرات، ممّا تسبّب بحدوث نزيف بين ساقي، ثمّ قيّدوا يديّ وضربوني بعصا سوداء مجدولة على القدمين".
وتضيف: "تمّ نقلي بعد ذلك إلى سجن أنصار في مدينة غزّة، وشهدت زميلاتي في غرفة السجن على العلامات الزرقاء والرضوض التي كانت على جسدي، وبقيت هناك ثمانية شهور".
ونفى مدير إدارة المكافحة العقيد سامح السلطان الذي قابلته مراسلة "المونيتور" في مكتبه، أن يكون هناك تعذيب في أقسام مكافحة المخدّرات المتواجدة في مراكز التوقيف الشرطيّة في محافظات غزّة.
وأكّد أنّ رجال الأمن لا يلمسون النساء، وإذا حدث ذلك يكون أثناء المداهمات لمنازل تجّار المخدّرات، لأنّه غالباً ما تهجم قريبات المتّهمين على رجال الأمن، ممّا يجعلهم يحاولون الدفاع عن أنفسهم، مضيفاً: "قد يحدث بعض الأخطاء، فنحن لسنا ملائكة".
استطاع "المونيتور" الوصول إلى إفادات لسجينات من داخل سجن أنصار حول تعرّضهنّ إلى الضرب والتعذيب في مراكز التوقيف الشرطيّة، وثّقها مركز حقوقيّ في مدينة غزّة، وحصلت عليها مراسلة "المونيتور".
الشهادة الأولى تعود إلى النزيلة مي.أ (27 عاماً) التي تفيد أنّه في تاريخ 3 حزيران/يونيو 2015 تمّ الاعتداء عليها من قبل رجل يعمل في قسم مكافحة المخدّرات داخل مركز شرطة مدينة الزهراء، بالضرب بالعصا البلاستكيّة على الساقين والظهر والرأس ثمّ أجبرها على الجلوس على الأرض ومدّ ساقيها، وضربها على قدميها حوالى 200 مرّة، ممّا تسبّب في ازرقاق وتورّم في أصابع قدميها، وذلك بهدف أن تعترف أنّها تتعاطى عقار "الترامادول" المحظور.
وتضيف السجينة في الإفادة: "في الرابع من يونيو، تمّ عرضي على النيابة في دير البلح، وقد أخبرتهم أنّني تعرّضت إلى الضرب، لكن من دون نتيجة، على الرغم من وجود كدمات ظاهرة على جسمي"، لافتة إلى أنّه تمّت إعادتها إلى قسم المكافحة في مركز شرطة النصيرات في وسط قطاع غزّة، وهناك تعرّضت إلى الضرب مرّة أخرى، قبل تحويلها إلى سجن أنصار.
وتقول مديرة سجن أنصار النقيب أمل نوفل في حديث إلى "المونيتور": حين تأتي إلينا سجينة تظهر عليها آثار الضرب، نقوم بعرضها على الطبيب المنتدب في السجن، ثمّ نراسل النيابة العامّة والشرطة والمراقب العامّ حول هذه الحالات ضمن شكاوى مكتوبة"، لافتة إلى أنّه منذ حوالى العام، لم يتمّ تحويل سجينة من مراكز التوقيف إلى سجن أنصار تظهر عليها آثار الضرب.
وحين تمّ عرض إفادة النزيلة مي.أ على العقيد السلطان في إدارة المكافحة، أكّد أنّه سيتمّ البحث ومراجعة الأمر، على الرغم من أنّه يشكّك في الإفادة جملة وتفصيلاً، مضيفاً: "الكثير من المدانين يقومون بادّعاء التعذيب، أو أنّه تمّ نزع الاعتراف منهم تحت الضرب، لنفي التهمة عنهم أو الحصول على حكم مخفّف".
تمّ اتّهام آ.ل (18 عاماً) بالسرقة بعد تحويلها إلى مركز شرطة في النصيرات، المسمّى بـ"أبو عربان" وسط القطاع في 19 نيسان/أبريل 2014. لكن آ.ل التي تعاني من وضع نفسيّ سيّء، رفضت الحديث إلى "المونيتور"، وروى والدها أحمد.ل(44عاماً) قصّتها قائلاً للمونيتور " شبحوا ابنتي بعد أن علقوها في السقف وضربها رجال الأمن بعنف، ممّا جعلها توقّع على اعترافات بتهم عدّة، لم تقم بها".
ويتابع "ابنتي تعاني نفسيّاً وصحيّاً، بعدما تعذّبت وضربت من قبل رجال الأمن في مركز الشرطة، ثمّ تمّ نقلها إلى سجن أنصار وقضت هناك عشرة شهور".
ويضيف: "حين ذهبت إلى مركز الشرطة لأطمئنّ على ابنتي، احتجزوني أيضاً وعلّقوني من حبل يديّ المقيّدتين بالسقف، وضربوني في شكل مبرح، وبقيت تحت التحقيق والضرب لمدّة أسبوع، وبعدها تلا عليّ أحد المحقّقين تقريراً يتّهمني فيه بإيذاء نفسي، فأجبته كيف سأعلّق نفسي في السقف"؟
هذا وتنص المادة الأولى في الفصل الثالث من قانون الإجراءات الجزائية الفلسطيني رقم (3) لعام 2001، المعمول به في القطاع على أنه لا يجوز القبض على احد أو حبسه إلا بأمر من الجهة المختصة بذلك قانونا، كما تجب معاملته بما يحفظ كرامته، ولا يجوز إيذاؤه بدنيا أو معنويا، وكذلك تنص مادة 99، ومادة 100 من القانون ذاته في الفصل الخامس أنه على وكيل النيابة قبل الشروع في استجواب المتهم بان يعاين جسمه ويثبت كل ما يشاهده فيه من إصابات ظاهرة وسبب حدوثها، وأن يأمر من تلقاء نفسه بإجراء الفحوصات الطبية والنفسية للمتهم من قبل الجهات المختصة إذا رأى ضرورة ذلك، أو بناء على طلب من المتهم أو محاميه.
وقد ذكرت الهيئة المستقلّة لحقوق الإنسان في تقريرها السنويّ لعام 2014 أنّها تلقّت حوالى 750 شكوى من مواطنين يشتكون سوء المعاملة والتعذيب أثناء التوقيف، من بينها 144 شكوى في الضفّة الغربيّة، و606 شكاوى في قطاع غزّة.
من جهّته، يقول المتحدّث باسم وزارة الداخليّة إياد البزم إنّ "السجون الخمسة المتواجدة في قطاع غزّة ملائمة وتحفظ آدميّة المسجونين كما أنّها تحت رقابة دائمة".
ويضيف: "أمّا مراكز التوقيف الشرطيّة أو ما يسمّى بالنظّارات، فليست كلّها جيّدة أو مطابقة للمواصفات لأنّها مقرّات غير ثابتة وتتعرّض إلى قصف إسرائيليّ في شكل دوريّ".
ويؤكّد أنّ هناك احتكاكاً قد يحدث بين رجال الأمن والمواطنين في هذه النظّارات، مستدركاً: "ولكن، لا يوجد تعذيب أو شبح بتاتاً، لأنّها غير مؤهّلة لذلك، فلا يوجد بها أدوات التعذيب".
ويبيّن أنّه في حال وقوع حادثة ضرب لمتّهم، فهذا لا ينمّ عن سياسة وزارة الداخليّة والأجهزة الأمنيّة في القطاع، بل يتمّ تشكيل لجان تحقيق لمتابعة مثل هذه الأخطاء .
ومن الإفادات الأخرى التي حصل عليها "المونيتور"، شهادتان لكلّ من دلال.ع (24 عاماً)، ونادية.ع (48 عاماً) تتشابه فيهما أساليب التعذيب المستخدمة، فقد أكّدتا أنّه تمّ تعذيبهما في مركزيّ توقيف شرطيّين، وسط القطاع في 5 حزيران/يونيو 2015، وتعليق كلّ منهما بخطاف حديديّ في سقف الغرفة بالحبل الذي يقيّد أيديهنّ، وضربهما بعصا بلاستيكيّة مجدولة، للاعتراف بتهمة المواقعة غير المشروعة.
وقد عرض "المونيتور" الإفادتين على المتحدّث باسم جهاز الشرطة الفلسطينية في قطاع غزة المقدّم أيمن البطنيجي في مكتبه في مدينة عرفات الأمنيّة في غزّة، حيث نفى ما جاء فيهما، موضحاً أنّ هناك سبع جهّات رقابيّة على عمل الشرطة، منها المراقب العام لوزارة الداخلية، والمفتش العام للشرطة، ممّا يجعل هناك عقاب دوريّ لرجال الأمن في حال وجود مخالفات انضباطيّة أو تلقّي شكاوى ضدّهم من مواطنين.
وقد اتّصل البطنيجي أثناء اللقاء بمدير مباحث المحافظة الوسطى الرائد عرفات أبو جياب، وتلت مراسلة "المونيتور" الإفادتين عليه، لكنّه نفى التعذيب في شكل قاطع، قائلاً: "لقد تمّت معاملتهما في شكل جيّد وإنسانيّ"، مشيراً إلى أنّهما متّهمتان بقضايا أخلاقيّة خطيرة.
حصل "المونيتور" على إفادات أخرى لسجينات ضربن وعذّبن في مراكز التوقيف الشرطيّة في محافظات غزّة، وتتشابه بينهنّ الأساليب المستخدمة لتعذيبهنّ، إضافة إلى كونهنّ يعانين من الفقر، والتفكّك الأسريّ، ليزيد من بؤسهنّ المعاملة الدونيّة من قبل بعض الجهّات الأمنيّة.
