"المزة" سيدة الموقف!
تاريخ النشر : 2015-10-28 12:37

سمعت أحدهم ذات يوم يقول، " الجمال جواز سفر المرأة"، أضحكتني العبارة جدا، ولا زلت أتذكرها وأذكرها، كلما حدث أمامي موقف يجسد القول، ولكن مع الوقت، تبين لي أن الجمال ليس جواز سفر فحسب، وإنما "سيد الموقف" في كثير من الأحيان.

الموقف الأول: حدثتني صديقة لي، فقالت: كنت أنتظر دوري على أحد مقاعد البنوك في المدينة، منذ قرابة الساعة، ولا زال أمامي حوالي المئة شخص تقريبا، كان علي إتمام بعض الأوراق والمعاملات، قبل الذهاب إلى عملي، وزيارة طبيب الأسنان أيضا، اقتربت من مكتب أمن البنك، واستسمحته قائلة: لو سمحت يا أخي، أنتظر الدور منذ أكثر من ساعة، والموظفون بطيئون جدا، لدي موعد مع الطبيب، وتأخرت على عملي كثيرا، هل يمكنني الحصول على استثناء لانهاء معاملتي المالية والانصراف؟!" فرفض، واعتذر مني، قائلا: الكل ينتظر، عليك الالتزام بالدور."

تابعت الصديقة: شكرته، وعدت أدراجي، لانتظر كما البقية، وكعادتي حين أكون في انتظار أي شيء، أظل ألوح نظري يمينا ويسارا، لتسلية نفسي بالمشاهد من حولي، واذ بفتاة جميلة، "نعم جميلة جدا"، تدخل البنك، ولما وجدت الجميلة أنها ستنتظر مئتي شخص تقريبا، تأفأفت وانزعجت كثيرا، ثم دار حوار لطيف بينها وبين رجل الأمن، وتبادلوا بعض الابتسامات، انتهت بدخول الجميلة إلى مكتب المدير العام، واستآذانه للحصول على استثناء، لتنهي معاملاتها في غضون أقل من خمسة دقائق!

غصة ظلت تعصر قلب صديقتي "الجميلة أيضا" بدرجة معقولة، لانتظارها الدور ساعتين، والتغاء موعد الطبيب، ثم انذار من عملها بسبب التأخير، في حين أن الجميلة "سلكت" أمورها في غضون دقائق، فمن بين عشرات المنتظرين والمنتظرات وحدها "المزة" كانت سيدة الموقف!

الموقف الثاني: أقلب في قنوات الأخبار والفضائيات الفلسطينية، فاستقر اختياري على برنامج كان موضوع حلقته يهمني فعلا، وكنت قد اعددت تقريرا   مسبقا عن ذات الموضوع قبل عدة أيام، تسال المذيعة "الجميلة فعلا" ضيفها، سؤالا بسيطا، بصوت خافت وضعيف جدا، يمكن للمشاهد غير الذكي أن يلمس فيه ضعف الأداء، وتكسر اللغة، والأخطاء النحوية القاتلة، ثم تترك الضيف يسترسل في حديثه، بينما هي تنقل أنظارها وتوزع ابتساماتها يمينا ويسارا، وتلتفت إلى غير جهة الضيف، يغرق هو في إجابته ما يقارب 15دقيقة، ينقلنا بين السياسة والاقتصاد والفن والدين، والمذيعة في سباتها العميق، ويتابع هو في شرح ما لا يلزم، والمذيعة في سرحانها المستمر، دون أي مقاطعة منها لضيفها كي يبقينا في صلب الموضوع، ويلخص لنا إجابته.

ابتسمت: وتذكرت العبارة إياها "الجمال جواز سفر المرأة"، وهو سيرتها الذاتية الكاملة أيضا عند التقدم لأي وظيفة في هذا البلد، ففي حال وصل عدد المتقدمين المئات، وربما الآلاف، لا تلزم السيرة الذاتية ولا الخبرات العملية، أو الدرجة العلمية، وحدها "الصورة الشخصية" لصاحبتها "المزة".. سيدة الموقف!