غزة-نوى-شيرين خليفة:
صحافية غزية تعمل في مكان من أكثر بقاع الأرض سخونة وخطورة، تميزت تقاريرها بالمهنية الجادة واللغة الجزلة، وهي كذلك تتمتع بالثقافة العالية، والقدرة على إيصال صوت المواطن الفلسطيني، إنها مراسلة قناة الميادين في غزة ومديرة التحرير لنا شاهين، وهي كذلك زوجة رائعة وأماً ناجحة لا تقبل لابنيها يارا وياسر بأقل من تتويج اسميهما في لوحة الشرف.
بصعوبة بالغة تمكنت لنا أو أم ياسر كما تحب أن يناديها الجميع من إيجاد وقت لإجراء مقابلة صحفية وسط انشغالاتها الدائمة إذ عادت لتوّها –قبل المقابلة- من عمل ميداني، تقول أم ياسر بابتسامة واسعة :"صدقاً العمل الصحفي أخذني كثيراً من حياتي الاجتماعية، لكن عائلتي وجميع معارفنا يقدرون ظروفي جيداً ويدعموني وأنا اشكرهم جداً على ذلك".
البداية
ولدت لنا شاهين عام 1973م في سوريا، وهي تنحدر من عائلة فلسطينية مهاجرة من قرية قبيبة قضاء الرملة؛ درست الأدب الانجليزي في جامعة دمشق، عشقت الأدب وترعرعت على أمهات كتب الأدب العربي، وخيرة الشعراء واستمعت إلى موسيقى أبدع الفنانين، تزوجت بعد الدراسة الجامعة لتنجب ابنيها يارا "17عام" وياسر 12عام"، لتبرع كذلك زوجة وأماً كما برعت كصحافية.
عن بداية عملها الصحفي تقول لنا :"عملت عام 1997 في تلفزيون فلسطين، لست خريجة صحافة، كان لدي بعض المصطلحات السياسية بحكم دراستي للأدب الانجليزي، فكنت أستعير كتب الصحافة من زملائي وأتعلم وأستشير في كل شيء، كنت محظوظة بقدوم مؤسسة سويدية اسمها فويو لتعليم الصحفيين في العالم، وكان لفلسطين النصيب الأكبر لأن السلطة كانت في بداياتها، عقدت المؤسسة دورات للتلفزيون على مدار ثلاثة سنوات كنت أنا المترجمة وحصلت على خبرة هائلة في العمل الصحفي من الإعداد والتصوير والمونتاج وإعداد التقرير وكل شيء".
تدرجت لنا في عملها بتلفزيون فلسطين حتى أصبحت رئيس تحرير دائرة اللغة الانجليزية، ومن ثم عملت مع أجانب لتستفد من خبرة كل من التقت به يوماً، عملت في مجال الصحافة المكتوبة والمسموعة والتلفزيون، أصبحت مراسلة تلفزيون دبي لعدة سنوات ومن ثم النيل مدة خمس سنوات لتتوج عملها حالياً كمدير تحرير قناة الميادين الفضائية في غزة ومراسلتها أيضاً.
مدير تحرير
عن اختلاف تجربتها في العمل مع كل فضائية تؤكد لنا :"لكل قناة سياسة تحريرية ولكن فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية لم يكن هناك فرق، الاختلاف فقط في حجم التغطية، أما المضمون واحد، مع قناة النيل وجدت نفسي كفلسطينية، كانت تبحث عن أي مادة من غزة ، يهمها ألا يغيب الخبر الفلسطيني، كنا نبحث عن قصص النجاح وأبرز وجه غزة الجميل، الميادين تهتم بشكل كبير جداً وتفرد مساحة أكبر ربما بحكم الامكانيات المادية".
تجتهد لنا كثيراً في محاولة المواءمة بين واجباتها الاجتماعية وعملها الذي يضطرها للبقاء لساعات بعيدة عن البيت، وربما المبيت خارجه كما حدث خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، لكنها لا تتنازل ابداً ولا تتساهل فيما يتعلق بمتابعة يارا وياسر والتحضير لدروسهم وواجباتهم، ما يثقل كاهلها بشكل أكبر.
تقول لنا :"عادة من الصعب أن أجد وقت فراغ، أنا اجتماعياً صفر، لدي عدد قليل من الأصدقاء ولولا أن الأولاد يكبرون ويريدون زيارات عائلية لبقيت خلف الكمبيوتر أتابع الأخبار فقط، أولادي وزوجي اجتماعيون جداً، وأنا ألبي في أضيق الحدود، هناك واجبات لا بد منها أجتهد كي لا أقصر فيها، أحب الناس كثيراً ولكن للأسف وقتي لا يسعفني لكل هذا".
أما فيما يتعلق بمتابعة يارا وياسر تقول:"أتابع دراستهم بنفسي، نهاية الأسبوع بالنسبة لهم كالعقوبة لأننا نراجع كل شيء ونحضّر دروس أسبوع كامل خشية وقوع أحداث بشكل مفاجىء واضطراري للبقاء خارج البيت، أريد أبنائي جاهزون للامتحانات في أي وقت، يارا أصبحت 17 عاماً وهي تعتمد على نفسها الآن في الدراسة وبقي فقط ياسر، أعتني بييت بنفسي، وهذا كله بالطبع على حساب صحتي".
كورة
لا يسمح وقت أم ياسر بمتابعة مسلسل كما يفعل غالبية الناس، إلا أنها ورغم كل انشغالاتها لا يمكن أن تتنازل عن متابعة كرة القدم، فهي معروفة بعشقها لنادي ريال مدريد الأسبان، هنا تضحك لنا وهي تقول:"والدي ضرير جريح ثورة وأمي سورية، أنجبا أربعة أبناء أنا أكبرهم وإخواني الثلاثة، كنت أجلس في حضن والدي وأقرأ له القصص حتى حفظت معظمها الزير سالم وألف ليلة وليلة والشعر النبطي، كلها أشياء تربيت عليها بسبب والدي، اكتسبت منها المفردات واللغة العربية السليمة، والدي كان يحب متابعة كرة القدم، ويشجع ريال مدريد، فهو أصلاً كان لاعباً قبل أن يفقد بصره لعب في السعودية وتحول إلى مساعد مدرب، كنت أتابع معه الريال على الراديو فعشقته كما عشقت الأغاني الطربية لأم كلثوم".
حول أهمية القراءة للصحفي تؤكد لنا :"الصحفي ليس أديباً ولا شاعراً، المطلوب تبسيط اللغة لتناسب الجميع، فمن يتابع الصحفي هم كل الأعمار، أسعى جاهدة لتبسيط الكلمات رغم أني أتمنى عمل استعراض للغة العربية بكل جمالها وجمالياتها".
في معرض تقييمها لتواجد الإعلاميات على الساحة الإعلامية أكدت أن الكم موجود وبكثرة، لكن الكيف ليس على المستوى المطلوب، وهذه مشكلة عامة حسب رأيها تخص الجنسين بسبب ارتفاع عدد الخريجين مقارنة بسوق العمل، إلا أن الإعلاميات حين عملن أثبتن وجودهن وخاصة في التغطيات وقت الخطر.
تضيف:"الصحفية كما الصحفي تتحمل التعب والضغط النفسي الهائل، المجتمع أصبح يتقبل مشاركتها بشكل أكبر، النظرة الاجتماعية اختلفت بشكل كبير خاصة حين تطر الصحفية للتأخر بسبب ظروف عملها ونحن مجتمع محافظ، لم يكن هذا مقبولاً في وقت سابق، تركت بيتي في العدوان من أجل إيصال الرسالة ولم أكن أدري هل سأعود أم استشهد، كل هذه التضحيات جعلت المجتمع يحترم الصحفيات".
الوطنية تسبق
كثيراً ما تضع الظروف الصحفي أمام مسئوليته المهنية ومسئوليته الوطنية هنا من ترجح لنا ، تؤكد :"أحاول أن أكون حيادية، لكن المحيط يفرض علينا أحياناً تعابير وجه مختلفة، فعند تغطية فعاليات تحرير أسير وهي قضية وطنية، تبرز الفرحة في تعابير الوجه، في العدوان الإسرائيلي بكيت أكثر من مرة على الهواء، ليس لأنني فلسطينة فقط، بل لأنني إنسانية، فمثلاً لو انتدبت لتغطية حدث ما خارج فلسطين ورأيت دماء وأشلاء وأناس يبكون أبناءهم، من الطبيعي أن أبكي".
تكمل:"من المشاهد التي لن أنساها في حياتي، وبكيت بسببه بمرارة، خلال العدوان كنا نغطي في مستشفى الشفاء وكانت سيدة تبحث عن ابنها وساعدتها بالبحث، حتى وجدته بين الشهداء، عرفته من لون جواربه، انهرت السيدة بالبكاء فحملت زجاجة المياه لأمسح على وجهها وهي تمسك بيدي بقوة وتشير لي بأنها صائمة، حينها نادوني على الهواء بأني لدي رسالة مباشرة والسيدة تمسك بيدي تركت يدها وحين وقفت، كنت في تحدٍ صعب هل أخرج على الهواء بحكم العمل أم أبقى معها، حينها بكيت على الهواء وحتى اللحظة ما زلت أتمنى أن أعرف من هي السيدة لأزورها".
لكن لنا لا تفكر مرتين حين يكون هناك تساؤلاً حول مسئوليتها المهنية ومسئوليتها الوطنية، فالموضوع محسوم، المهنية أولاً والمسئولية الوطنية تسبق كل شيء.
تقول لنا:"تعرضت كثيراً لمثل هذه المواقف، لكن أنا فلسطينية قبل كل شيء والمسئولية الوطنية أولاً".
لنا التي وصلت لأرفع منصب تحريري على مستوى صحفيات قطاع غزة، ما زالت تعتقد أن الشابات بحاجة إلى مزيد من التدريب من أجل إثبات وجودهن، فهي تقول:"بعض الصحفيات خجولات وغير جريئات، يخافوا أن يحرجهن المسئول وهذا متوقع وينبغي أن ندربهن كيف ترد عليه".
لكن لنا تؤكد أن قوة الشخصية تربية من البداية ومن ثم تدريب مكتسب، فهي توجه رسالة للصحفيات بقولها:"إذا خجلت الصحفية فلن تحصل خبراً ولن تطرح سؤالاً على مسئول".
جميل ما حققته لنا ويرضيها وتحبه، لكنها ما زالت تطمح أن يسعفها الوقت بإكمال دراسة الماجستير وأن تكون ذات يوم مديرة فضائية أو شركة إنتاج متخصصة في إنتاج الأفلام الوثائقية، لتؤكد أنها ستفعل ذلك ذات يوم.
