رام الله-نوى-وفاء عاروري:
حضن أمي كان جنة وقتها".. هكذا وصف الزميل الصحفي مصعب شاور، "25 عاما" من الخليل، لحظة عودته للمنزل في ظل جو من الحزن والألم والدموع، بعد الإعلان عن استشهاده عبر مواقع التواصل الاجتماعي الثلاثة، "فيسبوك، توتير انستغرام"، وتزامناً مع رفض قوات الاحتلال الكشف عن أي معلومة، عقب تنفيذ الشهيد إياد العواوودة عملية طعن بالخليل، متنكراً بالزي الصحفي، حيث اعتقلت سلطة الاحتلال ايضا كافة الصحفيين المتواجدين بالمكان وفتحت تحقيقاً معهم استمر حوالي ست ساعات، ومن بينهم الزميل شاور، الذي لم يعرف أهله مصيره بعد الحادثة.
ساعات طويلة من الوجع والألم ومرارة الفقدان، عاشتها العائلة بأكملها، بسبب إشاعة تسابق رواد مواقع التواصل الاجتماعي على نشرها، في سبيل جلب أكبر عدد من الإعجابات والتعليقات على صورة الشهيد "الحي" يعقب مصعب: "حياة الناس ليست سلعة نتلاعب فيها، ودموع أهلي ليس من السهل فغرانها!".
وفي الوقت الذي قد يتساهل البعض مع إشاعة تناقلتها مواقع تفاعلية، يكون الأمر أبشع وأكثر إجراما حين تتناقله وسائل اعلامية ذات جمهور ونفوذ لا بأس به، آخرها الإعلان عن اسم الأسير المحرر أيوب مازن من مخيم قلنديا، على أنه من أعدمه جنود الاحتلال على الحاجز العسكري ، في حين أن الشهيد الحقيقي هو الشاب عمر الفقيه "23 عاما"، من بلدة قطنة شمال غرب القدس
. الزميل عطا جبر "25 عاما" من القدس، تعرض أيضا لحادثة مشابهة، فبعد رفعه لفيديو يوثق ارتقاء أحد الشهداء، موضوع عليه توقيعه، سرعان ما فهم النشطاء على مواقع التواصل أن الاسم يعود للشهيد، بدلاً من المصور، وبذلك أخذت والدة جبر تبكي على استشهاده رغم أنه كان موجوداً معها في نفس البيت، لحظة الاعلان الكاذب. يقول عطا: انزعجت وتضايقت جدا من الأمر، وفي الوقت ذاته ضحكت كثيرا على الطريقة التي فهم الناس بها المعلومة وتداولوها. ورغم بيانات وتأكيدات وزارة الصحة المتكررة على عدم تبني أي معلومة ونشرها فيما يتعلق بالشهداء والجرحى، إلا أن بعض وسائل الاعلام المحلية، تصر على تداول الخبر قبل الاعلان عنه من مصدره الرسمي "وزارة الصحة"، وهو ما خلق حالة من الاستياء والاحباط لدى كل من نقابة الصحفيين من ناحية، ووزارة الاعلام من ناحية أخرى.
نقيب الصحفيين الفلسطينيين، عبد الناصر النجار، بدوره أكد أن النقابة اتخذت مجموعة من الاجراءات في سبيل الحد من هذه الأخطاء، أهمها إصدار تعميم على كافة المؤسسات الاعلامية والصحفيين بضرورة تحري الدقة في نقل المعلومات. وأضاف: تدني مستوى الدقة في المعلومات المتناقلة يعطي الفرصة لإعلام العدو للتحريض على الصحافة الفلسطينية، وهي مسألة خطيرة جداً خاصة أن هناك وسائل اعلام عالمية تنقل مجريات الاحداث في فلسطين عن طريق الصحافة الفلسطينية.
وتابع النجار أن النقابة في طريقها لمقابلة وزير التربية والتعليم بهذا الشأن، حيث ستطالب بتعميم مدونة سلوكيات المهنة على طلبة المدارس، كذلك المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، لتجاوز هذه المشكلة. وأوضح أنه رغم اثبات الصحافة الفلسطينية مهنيتها ومصداقيتها في المرحلة الأخيرة، إلا أن بعض وسائل الاعلام تحاول ضمن مفهوم السبق الصحفي ان تنقل معلومة قد لا تكون تأكدت منها تماما، وهو ما ينعكس مباشرة على مدى ثقة الجمهور الفلسطيني بها.
وأكد النجار أيضاً، أن النقابة رصدت مجموعة من الأخطاء التي وقعت بها المؤسسات الإعلامية وبناء عليه وجهت لها نداءات بتوخي الدقة والحذر قبل نشر أي معلومة، خاصة فيما يتعلق بحياة الناس، كأسماء الجرحى والشهداء وقراهم.
واتفقت النقابة ووزارة الاعلام على حد سواء، أن المشكلة الكبرى التي يواجهها الاعلام تكمن في مواقع التواصل الاجتماعي، والتي يبث راودها الأخبار فيها كالنار في الهشيم، حيث تضطر المؤسسات الاعلامية فيما بعد للخروج ونفي صحة الأخبار التي تم تداولها، وهو ما يعطل عملها ويصعب المهمة عليها. لذا توجه الجهات المتخصصة باستمرار نداءات لكل نشطاء مواقع التواصل بأخذ أخبارهم من المؤسسات الاعلامية، والابتعاد عن تداول الشائعات، تاركين "الخبز لخبازه".
بدورها، دعت مسؤولة العلاقات العامة والاعلام، في وزارة الاعلام، نداء يونس، كافة المؤسسات الاعلامية والصحفيين، إلى التمييز بين السبق الصحفي والخبر العاجل والخبر الصحفي، والالتزام بما تعلموه في المدرسة الاعلامية من أخلاقيات العمل الصحفي، وتحري الدقة في تداول الأخبار.
تضيف: أن ما يحدث يدخل في اطار التخبط المستهجن والفوضى المرفوضة تماما لدى الوزارة، التي شددت كثيرا على ذلك خلال بياناتها، سيما وان اي خطأ سيؤثر على نفسية أسر بأكملها ويكسر قلوب العديد من الامهات. مؤكدة أنه لم يحدث ان اعطيت جائزة لأي "سبق صحفي" أو خبر عاجل في تاريخ الصحافة.
ونوهت مسؤولة الاعلام، إلى ضرورة تبني الوسائل الاعلامي ثقافة الاعتذار، ما يتماهى مع المادة 27 من قانون المطبوعات والنشر. إضافة إلى التركيز على القصة الصحفية والعمل على ترجمتها الى العالم، في سبيل كشف الجوانب الانسانية للشهداء والجرحى المعتقلين، والتي لا يستطيع الخبر الصحفي وحده إيصالها. وأثنت يونس على دور المصورين الصحفيين، معتقدة أن الصورة الصحفية في اعلامنا نجحت بشكل كبير، في حين فشلت او قصرت بقية أنواع المواد الاعلامية.
