خذ هذه الأغنية، شغلها، اسمعها، تمعن في كلماتها، تأثر، أشعر بها، ابك، هي تتحدث عنك، أنت وحيد، لا أحد يشعر بك، لا أحد يحبك، كلهم يكرهونك، كلهم خائنون، كلهم باعوك، لا أحد يخلص لك، خذ هذه الأخرى، اسمعها أيضا، كررها، أعيد الكرة... إلخ
بربكم يا أصدقاء، من منا لم يعش هذه الحالة؟! من منا لم تخاطبه روحه بأن يفعل هكذا؟!! أكاد أجزم أن 90% من الشباب والشابات يعيشونها يوميا، ليسوا أولئك الذين في مرحلة المراهقة فحسب، بل كل من طالت عزوبيته أيضا، وهم الأخطر على أية حال، يشعرون باغتراب روحي غريب جدا، يصرون على عيش حالة الضعف والانكسار والانهزام مع نفسهم، لأسباب هم ذاتهم لا يعرفونها.
ربما من حسن حظي أن لدي أصدقاء كثر "محللين نفسيين"، عادة ما استغل جلساتهم بالسؤال عن كل ما يثير فضولي، وكل ما عشته أو سمعته من غيري.
لا تقلقوا، أنتم بخير، كل من ينكسر مع نفسه بخير، كل من يبك أمام نفسه بخير، هو فقط يفرغ كل الطاقة السلبية التي صنعتها له ضجة الحياة اليومية، ويزيل عن نفسه كل الهموم ومنغصات الحياة التي يعيشها بشكل يومي، كضربية اعتيادية لفلسطينيته.
بالمناسبة، هل سبق أن رأيتم شابا يبكي أمام الحاجز العسكري لأن مجندة لعينة عرته من كل ما يغطيه وجعلته يلتحف السماء في أجواء صقيعية قد يجمد دمه فيها؟!! بحجة البحث عن قنبلة نووية سقطت ربما عن طريق الخطأ في ملابسه الداخلية، أو صاروخ أرض جو خبأه في جيبه المتهتك!
أتحداكم إن رأيتم شابا بكى في هذا الموقف، ولكنكم بكل تأكيد رأيتم مشهد التعرية هذا كثيرا، نحن لا نستطيع أن نبك لأن جنديا لئيما أوقفنا على الحاجز! لا نستطيع اطلاقا، ولكننا ننكسر!
وننكسر أيضا لما تحرق عائلاتنا الأخضر واليابس كي ننال الشهادة الجامعية، وبعد أربع سنوات، نعلقها على جدار صالون البيت، في زاوية بهية مطلة على كل زائر.
وننكسر لما نرى دمعات أمهاتنا تسقط، على أخ او أخت اعتقلت من سرير نومها الهادىء، دون وجه حق، وفقط لأنها صاحبة حق.
وننكسر لأن فارس أحلامنا الذي تخيلناه يوما على حصان أبيض، هو ذاته صاحب أبي الذي يكبرني بعشرين عام وهيهات هيهات يستطيع امتطاء حمار هزيل.
ننكسر لأننا لسنا سعداء مع أزواجنا، ومع ذلك مضطرين أن نضحي بالبقية الباقية في حياتنا لأن ذلك يظل أهون من تلقيبنا "بمطلقات".
ننكسر من الاحتلال ومن الحكومة، من المجتمع والعائلة والابن والزوج، ننكسر حتى لا يظل فينا ما هو صاغ أو سليم!
أتدرون؟! فكرت يوما أن علينا نحن الشباب الفلسطينون أن نبعث ببرقية شكر للمطرب هاني شاكر، لأن أغانيه المليئة بالدموع تعيد إعمار ما كسره الآخرون بداخلنا! هاني شاكر يشعر بنا! هاني شاكر يمثلنا! كلنا هاني شاكر..
الجزئية الأخرى، هي موسم قطف الزيتون، قرأت منذ فترة بسيطة كتابا جميلا، يعلمنا كيف نكون أصحاء ومعافين نفسيا، يقول الكتاب: كي تعالج نفسك من كل الأمراض النفسية والتوترات العصبية، اذهب الى الجبل، اجلس وحدك، خذ نفسا عميقا، انس كل ما حدث معك، انت قريب جدا من الخالق، حدثه عما بداخلك.. الخ
ولكني فكرت كثيرا، فوجدت أن الذهاب للجبل فقط لمعالجة القلب، هو بحد ذاته جنون!
في منطقتنا وحدها، ثلاثة وعشرون مستوطنة، إن صدف ورآني أحد الصهاينة اتنفس هواء جبلي سيقول أنني استنشقت هواءهم، ويتفرق دمي بين القبائل، أقصد المستوطنات.
وإن لم يحدث، ورآني أحد البسطاء من قريتي، أثناء حراثة أرضه، سيقول: اذا ذهبت الرفيقة تبحث عن الرفيق في الجبل، فدعهما...!
وربما يتهمني بالجنون..
لذلك فإن موسم الزيتون فرصة ذهبية للمعالجة بالجبل، اقطفوا واستنشقوا قدر المستطاع، ولا تتوقفوا عن السماع لهاني شاكر، فنحن جميعا مرضى، ما لم نفعل ذلك.
