عن «الاحتلال» الروسي لسورية
تاريخ النشر : 2015-10-09 08:46

ما أن أعلنت روسيا عن تدخلها العسكري المباشر في سورية، حتى أعلن حلفاء "المعارضة" العرب، أن هذا يمثل احتلالا لدولة عربية يجب الرد عليه بإعلان حرب تحرير وطنية. 
لنترك فلسطين المحتلة منذ سبعة عقود والتي لم تتنطح لها دولة واحدة بالدعوة لحرب تحرير، أو حتى بذكرها في اجتماع الأمم المتحدة دون ربط ذلك «بعملية السلام» مع دولة الاحتلال. ودعونا نتجاهل ما قاله أحدهم يوماً ما بأن - أكثر ما يمكننا القيام به من أجل فلسطين هو أن نتوسل أميركا. دعونا نركز فقط على ازدواجية المعايير وما تحمله من دلالات.
في عرف هؤلاء: الطلب من أميركا والغرب عموما اجتياح سورية وإسقاط نظام الأسد ليس احتلالا. التنسيق مع تركيا، وتشجيعها على إقامة منطقة عازلة داخل سورية ليس احتلالا. جلب عشرات الآلاف من الإرهابيين من كل جنسيات العالم وتسليحهم وتمويلهم ليس احتلالا. ازدواجية المعايير لا تخول هؤلاء بالتأكيد الحديث عن معارك تحرر وطني وعن احتلال، وفتاوى شيوخهم قد ترفع من معنويات الإرهابيين لكنها لن تزيد من عددهم: لقد أصبحوا جميعاً في سورية. 
إن أرادوا الحق: كل من وطئت قدماه أرض سورية أو حلق في سمائها من غير السوريين في ظل «تفسخ» الدولة السورية هو «مُحتل»، وفي هذا تستوي الجماعات الإرهابية والقوى الداعمة لها وأميركا وروسيا وتركيا وإيران- جميعهم قوى احتلال وقهر لأن تدخلهم لا علاقة له بما يريده أو لا يريده الشعب السوري، ولكن بالمصالح الخاصة بكل دولة منه.
لكن لماذا يكون الروس محتلين بينما الجماعات الإرهابية القادمة من كل بقاع الأرض «ثوار»، ولماذا لم يُسم احتلالا ذلك التحالف المكون من أكثر ستين دولة والذي يقول بأنه يقصف «داعش» منذ أكثر من عام؟
المسألة بكل بساطة لا علاقة لها بمصلحة الشعب السوري. من استعان ولا يزال بالإرهابيين لإسقاط النظام لا يكترث بالشعب السوري لأنهم أول ضحايا الإرهاب، ومن دخل منهم في «التحالف الدولي» للحرب على «داعش» لم يفعل ذلك بهدف إضعافها ولكن أملاً في أن يكون التدخل الأميركي مُقدمة لاحتلال سورية بالكامل وإسقاط النظام فيها كما حدث سابقا في العراق وليبيا.
مُشكلة هؤلاء «العرب» أنهم لم يدركوا أن أميركا لا تريد لهـذه الحرب أن تنتهي لسببين:
الأول، أن البديل للنظام السوري بالنسبة للغرب- وللشعب السوري نفسه- أسوأ بكثير من النظام. لماذا على الغرب أن يساعد مجموعة ممن أهدافهم المعلنة هي الحرب الدائمة ضد كل كائن مختلف عنهم. 
الثاني، وهو ربما الأهم، أو ليس من مصلحة إسرائيل أن ينتحر الجميع على أرض سورية؟ القضاء على «داعش» يعني إخراج حزب الله من سورية، وتخفيف حالة الإهدار لمصادر الدولتين السورية والإيرانية.
الحل بالنسبة لأميركا، وهو ما كنت قد كتبت عنه منذ إعلان التحالف الدولي للحرب على «داعش» قبل سنة تقريبا: أن تتحول سورية لمقبرة جماعية للجميع وبدون استثناء- للنظام وحلفائه من حزب الله  حتى إيران، وللمعارضة الإرهابية بأطيافها المختلفة من «النصرة» لـ «القاعدة» لـ «جيش الفتح» لـ «جيش الإسلام»…الخ.
هذا لا يمكن أن يتم إلا إذا كان هنالك نوع من التوازن على الأرض بين النظام وخصومه، توازن يجعل عملية إهدار المصادر ممكناً. لذلك كان الإعلان بأن الحرب على «داعش» تحتاج الى خمس سنوات على الأقل، علماً بأن الحرب على تنظيم القاعدة في أفغانستان العام ٢٠٠١ لم تستمر أكثر من شهر شارك فيها فقط بضع مئات من المارينز ومعهم العشرات من أفراد وكالة المخابرات المركزية، وأن الحرب على العراق العام ٢٠٠٣ لم تستمر أكثر من ثلاثة أسابيع. 
المقصود هنا هو أن لا نية للتحالف الغربي بإنهاء «داعش» لأن القضاء عليها يعني تمكين النظام السوري وحلفائه، بينما المطلوب: مشهد لحالة انتحار جماعي- للنظام وحلفائه بسبب مواقفهما السابقة غير المنسجمة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وللمعارضه المتطرفة التي تشكل خطرا على كل ما هو إنساني. 
العرب من معارضي النظام بسبب علاقته بإيران اعتقدوا بإمكانية تحويل «النصرة- القاعدة» في بلاد الشام الى تنظيم معتدل يمكن تسويقه للغرب، لكن الأخير فاجأهم بأن قتل فرقة كاملة من الجيش الحر الذي تجهزه أميركا  لمرحلة ما بعد اندثار النظام ومعارضيه المتشددين.
الروس ليسوا أغبياء، هم راقبوا خلال سنة كاملة ما تقوم به قوات التحالف في سورية وتوصلوا لنتيجة واحدة: ما يجري ليس أكثر من عملية استنزاف لنظام الأسد- حليفهم، وأن لا نية للقضاء على الجماعات الإرهابية. لذلك كان التدخل العسكري المباشر.
هل ستتحول سورية بالنسبة الى الروس الى أفغانستان جديدة؟ 
ربما. لكن الثمن لمن سيدعم الجماعات الإرهابية ضد الروس سيكون أيضاً مرتفعاً وسيمتد من تركيا شمالاً حتى باب المندب جنوباً.
لمن لديه ذاكرة: كان القذافي والعقيد علي عبد الله صالح قد طالبا في أكثر من مؤتمر قمة عربي بقطعة أرض على حدود فلسطين حتى يرسلوا المتطوعين لتحريرها.
اليوم لم تعد حاجه لذلك.
ها قد تجمع «مجاهدو» الأرض جميعاً في قلب الشام، سُنتِهم وشيعَتِهم، لكنهم لم يختاروا تحرير فلسطين لانشغالهم في أعمال مهرجان للموت الجماعي.