"سناء القرنه" من معلمة إلى حبيسة العجز والألم
تاريخ النشر : 2013-03-10 15:01
صورة حديثة لسناء أثناء اللقاء معها

الضحية الأولى

بيت لحم – (خاص) نوى – نهيل أبو غيث:

كانوا يطلقون ضحكات فرحة وأناشيد بريئة، ينتظرون بلهفة الشوق للهو لحظة الوصول إلى مدينة الألعاب، لكنها كانت غمضة عين عندما غافلتهم تلك الشاحنة المحملة بأنابيب الغاز، فاشتعلت الحافلة بطفولتهم، لتُطلق صرخاتها من أعماق لهيب الألم في قلوب كل الفلسطينيين.

فسجل حادث "حافلة جبع" ذكرى بشعة، فلا نحن نسينا الأموات، ولا الأحياء من ضحاياها يتابعون حياتهم بهدوء، فهم أصبحوا غرباء في حياتهم، لا يجمعهم بها سوى أمل تاهت دروبه في تفاصيل الحادث.

وحين أصبحت سناء يوسف القرنة ابنة قرية زعترة في بيت لحم، ذات الثمانية والعشرين ربيعا، من معلمة تتنقل بين مقاعد طلابها في مدرسة نور الهدى في بلدة عناتا، إلى عاجزة كسيحة تتنقل بالكرسي المتحرك؛ باتت رهينة الديون الكثيرة بسبب علاجها، ومحاولات ترميم التشوهات التي أحدثتها الحروق والتمزقات في جسدها، علاوة على ما تقاسيه من آلام الحاضر والخوف من مستقبل مهدد.

لم تمكث سناء في مستشفى رام الله الحكومي سوى ثلاث ساعات ونصف منذ إخراجها من الحافلة المشتعلة بالنيران، إذ تم نقلها إلى مستشفى (تل -هاشومير الإسرائيلي) لصعوبة وضعها، بسبب احتراق وجهها وجسدها بحروق من الدرجة الثالثة، ونزيف مستمر في الوريد المقطوع بساقها اليمنى.

عندما وصلت سناء مستشفى ( تل –هاشومير) في تمام الساعة السادسة مساء، حاول الأطباء جاهدين إيقاف النزيف، ولكن الأمر فاق معرفتهم وقدراتهم، فاضطروا إلى وضع فلتر للسيطرة على الأمر، بعد أن فقدت الكثير من الدماء، ولكن الأمر لم ينتهي حيث اقتحمت جرثومة ساقها، وقرر الأطباء بتر الساق خوفا من انتقال الجرثومة إلى باقي الجسد، ولكن الطبيب المشرف قال: لا هي ما زالت صغيرة فلنحاول بجهد أكبر للتخلص من الجرثومة، وتم ذلك، لتتنقل سناء من عملية لأخرى، في ظهرها وساقيها ومنطقة الحوض، لتكون حصيلة العمليات تسع متتاليات.

 وغادرت سناء المستشفى بعد إقامة دامت عشرة أشهر، وهي بحاجة لمزيد من العلاج والعمليات لأسنانها التي تكسرت بفعل الحادث، وقلبها الذي تضرر وأصيب عمله بخلل.

بداية المشوار:

حكايتها بدأت منذ أكثر من أربع سنوات، بعد أن تخرجت بدرجة البكالوريوس في تخصص التربية الابتدائية، لتلتحق سنويا بامتحان التربية والتعليم للتوظيف وتحصد النجاح في كل مرة، لكن دون جدوى، لتقرر اللجوء للمدارس الخاصة بحثا عن رزقها كي تساعد نفسها وعائلتها.

 وفي الأول من أيلول عام 2011م كان البداية لها كمعلمة في مدرسة نور الهدى في عناتا، فارتاح البال قليلا، بالرغم من أن الطريق يوميا كانت تستغرق منها قرابة الساعة والنصف للوصول للمدرسة، ولم  تدم راحتها أكثر من ستة أشهر، حينما وقع الحادث يوم السادس عشر من شباط عام 2012م.

تقول سناء لـ "نوى": " لم أر شيئا سوى شاحنة تصطدم بالحافلة التي كنا فيها، لأجد نفسي في المستشفى وحولي أطباء كثر، شعرت بجسدي كأن شيئا ينهشه من كل صوب، سألت ماذا حدث؟ أخبروني ماذا حدث؟

وبألم ومحاولة إخفاء لدموعها تضيف لـ "نوى": لم تكن تجربة عادية بل ألمها النفسي أكبر وأشد مما قد يصيب الإنسان، فالحروق امتلأ بها وجهي، وعظامي مطحونة والكسور في ساقيّ ومنطقة الحوض، وشظايا الزجاج اخترقت فمي لأكثر من عشرة أيام، وتوسعت شراييني لكثرة العمليات، هل سأعود للحياة من جديد؟

وتضيف سناء: "أول شيء فكرت به هو وضعي، من إنسانة بتتحرك وبتروح وبتيجي إلى إنسانه عاجزة عن الحركة، الكبيرة في البيت، بتعمل كلشي وإيد إمها ومن معيلة إلى عالة على عيلتي، كيف بدي أعيش ومين بدو يقدر يتحمل مصاريف علاجي، احنا (12) نفر بالعيلة كيف بدها عيلتي تقدر تغطي كل هالتكاليف"

أسئلة طرحتها سناء القُرنة التي كانت في حافلة الموت قبل عام، لم تسلبها الحادثة صحتها فقط؛ وإنما حياتها المهنية والمجتمعية، ففتاة تعجز عن المشي؛ كيف لها أن تكون معلمة من جديد في صفوف تضم أطفالا بحاجة للرعاية والاهتمام!

"مجتمعنا بينظر للعاجزة كأنها شيء مخزي، لما أروح معها للجمعية العربية من شان العلاج ما بيرضى ولا تاكسي يوقف لنا لما يشوفها على الكرسي" قالتها أم سناء وهي تعتصر حزنا لِما آلت لها حال ابنتها، ولِما تلاقيه من عدم احترام تجاه عجز سناء من أفراد المجتمع الذين زادوا الأمر وجعا.

وأضافت أم سناء: هذا قضاء الله وقدره ولا اعتراض عليه، ولكن من سيكون بجانبنا، من سيساعد في هذه التكاليف الباهضة، فابنتي ما زالت بحاجة لكثير من العلاج، أسنانها التي تكسرت وقدمها التي أصابها العجز، وقلبها الذي تضرر وبحاجة مستمرة للأدوية، عدا عن تكاليف مواصلات التنقل بها.

 
الأضرار الصحية التي لحقت بـ سناء بحسب التقرير الطبي الخاص بمشفى ( تل – هاشومير) والذي صنف حالة سناء بالخطرة:

حروق درجة ثالثة.

تهتكات وكسور في عظم الفخد ومسامير بلاتين.

كسر في الركبة – الساق اليمنى واليسرى.

عطب دائم في عصب كف القدم اليمنى.

خلل في عمل القلب بسبب الحادث وبحاجة إلى قسطرة علاجية.

التهابات متعددة جراء الإصابات.

إصابة في الرئتين وصعوبة في التنفس.

وبعد أن بدأت سناء تعيش هذا الفصل من حياتها، أصبحت تعاني الأمرين، وبحاجة ماسة لسيارة تتنقل بها ووالدتها لتلقي العلاج في المستشفيات والمؤسسات الطبية، ولمشروع تقتات منه كإنسانة تعجز عن الحركة، يكفيها سؤال وإحسان الغير.

لذا تناشد سناء القرنة الرئيس محمود عباس والدكتور سلام فياض لمساعدتها في التكاليف المترتبة عليها جراء ما سببه الحادث المأساوي.


نص المناشدة:

السيد رئيس دولة فلسطين الرئيس أبو مازن ......

اكتب إليك هذه المناشدة بعد مرور سنة كاملة على الحادث المأساوي حادث جبع الذي وقع في شتاء العام الماضي وراح ضحيته ستة أطفال ومعلمة فاضلة وعدد من الحالات الحرجة.

أنا المعلمة "سناء يوسف محمد القرنة " "28" عاما .وأنا من ضحايا حادث جبع المأساوي , حيث أمضيت العام الماضي في غرف العمليات وعلى الأسرة البيضاء وذلك جراء صعوبة إصابتي وخطورتها وتعرضي لأذى كبير في صحتي مما جعلني أتحول من معيل ومساعد لعائلتي ومعلمة مواظبة ومجتهدة مع طلابها لإنسانة عاجزة عن الحركة والتنقل دون كرسي متحرك تبرع لي به احد المحسنين جزاه الله خيرا .وقد عرضت مؤخرا على لجنة طبية لتحديد نسبة العجز وقد وصلت النسبة لأعلى من 80% , وفي وضع كهذا لا استطيع التنقل لمتابعة مراجعاتي العلاجية و تتمة ما تبقى من علاج للحروق والأسنان وأوجاع القدمين والظهر . مع العلم أني أعيش في أسرة تتكون من 6 أولاد و4 بنات أنا أكبرهم وأمي ربة منزل وأبي موظف بسيط لا يتجاوز راتبه الشهري 2000 شيكل و 4 من أولاده يدرسون في الجامعات مما يجعل الأمر أكثر تعقيدا على هذه الأسرة البسيطة .

 

سيدي رئيس دولة فلسطين أبو مازن... السيد رئيس الوزراء سلام فياض

ابعث هذه المناشدة إلى حضرتكم لعلمي بإنسانيتكم ومحبتكم للمساعدة حيث إني أناشدكم لتأمين سيارة خاصة لي لتأمين تنقلي بحرية وخصوصية كما وأناشدكم لتأمين دراجة طبية للحفاظ على ما تبقى من صحتي المفقودة .

واستميحكم عذرا حيث اثقلت عليكم ولكني أرجوكم رجاءا خاصا جدا جدا بأن تمنوا على أمي بمكرمة رئاسية بأن تكون أمي من حجاج العام القادم انشاالله وذلك لما قضته في قربي وعانت من اجلي الكثير وأرجو أن تكونوا في عوني لأرد لها بعض ما قضت ولن استطيع .

وفي الختام أشكركم على سماع شكواي واشكر لكم مساعدتي ورفعي عن المسألة والذل وقصد الناس و حفظ ماء وجهي بين الناس وأرجو الاستجابة العاجلة .مع العلم أني أرفقت جميع الأوراق المطلوبة لهذا الشأن

 

المعلمة سناء القرنة

سناء