تتزايد في هذه الأوقات الدعوات لتفجير انتفاضة ثالثة، وربما أيضا تزداد الحاجة إليها حسب البعض، خاصة مع حالة الانسداد السياسي التي تتسم بها المرحلة.
وما بين رافضٍ لها، من باب التخوف من نتائجها، أو التشاؤم من إمكانية نجاحها، وبين متحمسٍ لها ومتفائل بها؛ يبرز السؤال المهم: هل الانتفاضة الثالثة مصلحة وطنية فلسطينية، أم هي مطلب إسرائيلي ؟! وقبل ذلك، هل بمقدور الفلسطينيين إشعال انتفاضة في هذه المرحلة بالذات ؟! ومن نافلة القول أن الإسرائيليون أنفسهم يطرحون على أنفسهم مثل هذه التساؤلات.
ومهما كان الموقف من إشعال انتفاضة جديدة، لا بد من التأكيد على أن مقاومة الاحتلال ليست حقا مشروعا وحسب، بل هي واجب وطني ينبغي ممارسته بكافة الأشكال المتاحة، وهذا ما تقره الشرائع الدولية. والشعب الفلسطيني لا تنقصه الوطنية وروح التضحية، ولا تعوزه الشجاعة، ولا يحتاج نصائح من أحد ليعلمه كيف يمارس كفاحه. وقد أثبت طوال المائة سنة الماضية أنه شعب حي، وعصي على الهزيمة أو الانكسار، وفي هذا الشأن لا يحتاج لشهادة أحد، من يريد إثبات ذلك فليراجع سجلات التاريخ.
فعندما كانت الظروف الذاتية والموضوعية تستدعي تفجير انتفاضة لم يتوانى الشعب عنها ولم يتأخر، كما حدث في الانتفاضة الأولى (1987)، وعندما انسد الأفق السياسي تماما، وأصبحت المواجهة العسكرية أمرا لا مفر منه جاءت الانتفاضة الثانية 1(2000) عنيفة ومسلحة، وعندما آمنت الجماهير بإمكانية ترسيخ حل عادل وشامل وملأت قلوبها الآمال (أواخر الانتفاضة الأولى وعشية مؤتمر مدريد) قابلوا الجندي المسلح بوردة .. وعندما استبد بهم اليأس فجروا أجسادهم في المدن الإسرائيلية (2001 ~ 2003) ...
ومن البديهي أن الانتفاضة لا تُصنع بقرار، إنما تأتي نتيجة نضوج جملة من الظروف الذاتية والموضوعية، وهي دائما بحاجة إلى بيئة محلية (حاضنة) مهيّئة ومشجعة لانطلاقها، وإلى ظرف سياسي مواتي؛ فالانتفاضة الأولى والثانية كانت لديها الحاضنة المحلية الوطنية التي شجعت انطلاقتها، وكات الظروف السياسة الخارجية تحتم وقوعها.
اليوم، وللإجابة على أسئلة الانتفاضة؛ مدى إمكانية اندلاعها، ولمصلحة من .. لا بد من فهم معطيات اللحظة التاريخية الراهنة، وتحليل الموقفين الفلسطيني والإسرائيلي في ضوء الأحداث التي تجري في الإقليم.
