التسلل عبر الحدود: الهروب من الفقر وأوجاع غزة
تاريخ النشر : 2015-10-01 16:55

 غزة- خاص نوى- ميرفت أبو جامع

في 25- سبتمبر الماضي لمعت في رأس يوسف الترابين، 16 عامًا، فكرة التسلل عبر الحدود إلى داخل إسرائيل، بتشجيع من صديقه هاني الشراتحة، 17 عاماً، علّهما يهربا من جحيم غزة، حتى وصلا عصر ذلك اليوم السلك الشائك مع إسرائيل، ودخلا الأراضي التي تخضع للسيطرة الإسرائيلية لبضع مترات.

 يسكن الترابين وصديقه الشراتحة  منطقة شعشاعة شرق جباليا، تركا المدرسة في سن مبكرة، ويعانيا من وقت فراغ كبير، ومن مستقبل ضبابي في غزة، كان تفكيرهما في الخروج من غزة للبحث عن عمل، والنتيجة خياران: إما أن ينجحا وهذه الفكرة استبعداها رغم معرفتهما بمحاولات فشل كثيرة قبلهم، أو يعتقلا وأقصاها 7 شهور: وهو ما رجحه الترابين" إحنا بنعيش بغزة في سجن، لو سُجِنا لن يختلف علينا الأمر كثيرًا، هناك ثلاث وجبات ومشاهدة التلفاز، وراحة، واعتقال 7 شهور براتب" يقول لنوى.

تزايدت في الآونة الأخيرة حالات التسلل عبر الحدود إلى الأراضي المحتلة التي تسيطر عليها إسرائيل، ولا توجد أرقام حقيقية ودقيقة، فما يتم تداوله أرقام  متضاربة ، تتحدث التقارير الإسرائيلية أن 247 تسللوا إلى إسرائيل بينما التقارير الحقوقية الفلسطينية تتحدث عن العشرات فقط، بعضها نجح في اجتياز الحدود إلى داخل أراضي المحتلة عام 48، والبعض الأخر فشل وكان مصيره الاعتقال، والتنكيل به كما حدث مع الترابين وصديقه".

لم يجتز الترابين بضع المترات حتى تعرض لمعاملة قاسية من قبل جنود الأحتلال المتمركزة على الحدود، يروي الترابين لنوى:" بعد اجتيازنا الحدود، أوقفنا جيب إسرائيلي ثم أطلق كلب باتجاهنا، وهاجم الكلب الترابين وعضه من ساعده الأيمن، ومن كف يده اليسرى، ثمّ اعتقلونا وقيدوهنا وعصبنا أعينهما ونقلوني إلى مستشفى، عالجوني ثمّ احتجزوني 4 ساعات وحقق معي الضابط، وأعادوا عصب عيناي واقتادوني إلى معبر بيت حانون (إيرز)، في العاشرة ونصف مساءً، هناك نقلتني الأجهزة الأمنية الفلسطينية إلى مستشفى كمال عدوان لتلقي العلاج، بينما الشراتحة ما يزال معتقلاً" أتصلت السلطات الإسرائيلية بوالده واخبرته بأنه معتقل لديهم في ذات اليوم وسيعرض على المحاكمة.

ولم يفلح الشاب زكريا أبو لحيه، 21 عاما من جنوب قطاع غزة، قبل ثلاثة أسابيع من اجتياز الحدود شرق محافظة خان يونس للعمل داخل اسرائيل، وكان نصيبه الاعتقال يقول شقيقه فراس أبو لحية؛ 33 عاما، ذهب شقيقي لاجتياز السلك للبحث عن فرصة عمل داخل الأراضي المحتلة، فقد انسدت كل الأبواب في وجهه في غزة،  الوضع الاقتصادي يزداد سوءًا، و لا فرص عمل،  يضيف: " أبلغنا الصليب قبل ثلاثة أسابيع بأن شقيقي معتقلفي الأراضي المحتلة، وقبل 3 أيام وصلتنا من سجن بئر السبع لائحة اتهام بأنه "متسلل دون تصريح".

يضيف:" واقع غزة الصعب وهو الذي دفعه للتوجه إلى الحدود علّه يفلح في الحصول على فرصة عمل داخل إسرائيل، حيث كل الأفق مغلقة في غزة. ماذا بإمكانه أن يفعل؟ وهو يرى مستقبله الضبابي؟! يتساءل بأسى.

أعلن الاحتلال الاثنين 28-9 عن اعتقاله 5 شبان من قطاع غزة حاولوا التسلل للأراضي المحتلة عبر السياج الفاصل, وقال أن عدد الشبان الذين اعتقلهم بعد محاولتهم التسلل للأراضي المحتلة منذ بداية شهر 9 "الجاري" إلى 45 شاب أخرهم الترابين وشقيقه.

نفت سهير زقوت المتحدثة باسم الصليب الأحمر في غزة، وجود معلومات لديهم حول أعداد المتسللين للأراضي المحتلة، وقالت أن عملهم فقط يبدأ بعد أن تتقدم العائلات بطلب لديهم عن اعتقال ابنها أو احتجازه، فيبدؤون بالتواصل مع الجهات الإسرائيلية بتزويدهم بمعلومات أو تسهيل الزيارة، وهذا يشمل كل حالات الاعتقال دون توضيح تفاصيل.

وأكدت ابتسام زقوت مديرة وحدة البحث الميداني بالمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، أن المركز قام بتوثيق عشرات الحالات خلال العام 2015 من المتسللين، مؤكدة انها في تزايد عن الأعوام السابقة، وأشارت أن المتسللين تتراوح أعمارهم ما بين (15- 36 عاما) وان هدفهم من التسلل يكمن في عدة أسباب: الفقر وتشديد الحصار على غزة، والبعض متخابرين يُسّهل الاحتلال مرورهم، لإلحاقهم بعائلاتهم هناك، كما حدث مع عائلتين من شمال قطاع غزة_ اجتازتا الحدود الشهر الماضي- أو هروب على خلفية خلافات عائلية، أو مشاكل أمنية. وتضيف سببًا أخر" طمع هؤلاء في راتب أسير بعد انقضاء مدة 6-7 شهور في الحبس وهي مدة المحكومية الأقصى للمتسللين.

مركز الميزان لحقوق الإنسان أصدر بيانا أمس الأربعاء، 30-10 استنكر فيه إخضاع الطفلين" الترابين وصديقه" للتعذيب والمعاملة القاسية والمهينة خلال عملية الاعتقال والتحقيق، على أيدي أحد جنود الاحتلال واستخدام الكلب،  وأكد المركز أن  سلطات الاحتلال هي المسئولية عن ما آلت إليه الأوضاع الإنسانية وأوضاع حقوق الإنسان في قطاع غزة، الذي يخضع لحصار منذ ثماني سنوات، وتسبب في تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وأسهم في مضاعفة أعداد الفقراء والعاطلين عن العمل ما يضاعف من أعداد من يخاطرون بحياتهم من أجل الحصول على فرصة عمل.

يقول سمير زقوت الباحث القانوني بالمركز بان مركزهم منذ بداية العام وثّق 70 حالة هذه الحالات التي وصلته باحثيه معلومات عنها، مرجحا الرواية الإسرائيلية للعدد المتزايد لهؤلاء المتسللين، خاصة

ويضيف زقوت ان الأوضاع الصعبة التي يعيشها قطاع غزة دفعت هؤلاء الشباب إلى التسلل للعمل داخل اسرائيل، محملا الاحتلال مسؤولية استمرار الحصار وتشديد الخناق على قطاع غزة.

وتقّيد إسرائيل حوالي 62,6 كم مربع من الأراضي الحدودية، وهي تشكل 17% من مساحة قطاع غزة، وتحظر الدخول إليها رسميًا، وفي مطلع عام 2010 حذر الجيش الإسرائيلي السكان عبر مناشير نشرها في أنحاء القطاع من مغبة الاقتراب من الجدار من مسافة 300 متر.

تقول الجهات الأمنية أن التسلّل لم يرتق إلى ظاهرة، وأن القوّات الأمنيّة في غزّة تتابع حالات المتسللين، وتمنع تسرّب أعداد منهم، ونجاح عدد محدود من الفلسطينيين في التسلّل يعود إلى أنّ قوّات الأمن الفلسطينيّة ليس في استطاعتها بسط سيطرتها على المناطق المستهدفة من قبل الجيش الإسرائيليّ.

تنتشر قوّات ميدانية تابعة إلى حماس على حدود غزّة، تمنع التسلّل إلى داخل إسرائيل، بإطلاق نيران تحذيريّة تجاه المتسلّلين لمنعهم من الوصول إلى حدود إسرائيل، رغم نجاح البعض في الوصول.

ادى الحصار المفروض منذ 8 سنوات على قطاع غزة إلى تدهور غير مسبوق للأوضاع الاقتصادية لسكان القطاع، ومؤشراته" ارتفاع نسبة الفقر إلى 38,8% من بينهم 21,1% يعانون فقر مدقع، بينما ارتفعت نسبة البطالة في الآونة الأخيرة إلى 44% ".

وينظر البعض إلى ان ازدياد عدد المتسللين ينذر بخطورة الوضع في قطاع غزة، في ظل تزايد أعداد الفقر والبطالة،  وتفاقم أزمات القطاع دون حلول جديّة، يقول د.عدنان أبو عامر في مقالة حول قراءة في أعداد المتسولين نشرتها صحيفة فلسطين بتاريخ 28- سبتمبر" تزايد أعداد المتسللين من غزة يحمل مخاطر عدة على المجتمع الفلسطيني، خاصة من النواحي الأمنية، لأنها تكمن في إمكانية استغلال جهاز الشاباك الأمني الإسرائيلي لبعض المتسللين لضرب غزة أمنياً، رغم أن جزءاً كبيراً منهم يرى في التسلل للجانب الإسرائيلي مخرجاً من واقع الفقر والبطالة الذي تحياه غزة".