كتب - طــلال مُعـــلاَّ :
عادة يُطرح السؤال: ماهي حدود التفاعل بين الكلمات والصور في الكتابة والفن؟
أو ماهي حدود التفاعل بين الصوت والصورة في الفن؟
إنها العلاقة بين الحدود والإمكانات لكل عنصر من هذه العناصر، وغالباً مايوجه الفنانون الانتقادات للكتاب بأن تعاملهم اللغوي مع المضامين البصرية يبقى قاصراً على مستوى المفهوم، وتحديداً حين يتم الحديث عن العلاقة بين إمكانات البصر وحقيقة البصيرة، بعيداً عن التفسير المباشر للبصري، إذ يعتبر الفن في مجال التعريف بأنه السعي للخلق دون تحديد، بمعنى أن الفن هو عدم الحاجة لخلق الفن، وهي مقولة مابعد بنائية تقتضي تأكيد البنية النظرية لخصوصية اللاوصفي في الفن، الذي كان على مدى طويل جزءاً لايتجزأ من قراءتنا للفن.. فالذي يحقق الفن في هذا المضمار هو هدمه وتعويضه.
ترتبط الكتابة في الفنون البصرية بالنظرية، وهي حقيقة تحدد ملامح النصوص وسبل تعاملها مع اتجاهات الفنون البصرية، لاأقول إن هذه النصوص هي مرآة العمل الفني، أو انها المنعكس الأول للشكل المنجز، فقد تكون المنعكس الثاني أو الثالث، أو قد تكون أساساً لحوار مفتوح حول استقلال الكتابة الإبداعية، وهو يرفع من سوية العمل البصري، إذ كلما بدى التجلي واضحاً في الكتابة كلما أشرنا إلى ماهو غير مسبوق أو مشاهد أو محسوس، مما يسمح للانخراط في العمل ، وتحليله، ليس في إطار وجوده التاريخي أو التفسيري، وإنما في إطار المعرفة التحليلية التي تقدمها اللغة للفن، والتطبيقات التي يمكن بناؤها عبر مايبثه المنجز البصري، والحوامل الأساسية لهذا الخطاب، التي بتفكيكها يزعم الكتاب أنهم قادرون على رصد البدائل اللغوية للقيم البصرية، واستخدام بدائل لغوية تتقاسم المعنى مع العمل الفني.
هنا نتحدث عن انبثاق مشترك من اللغة والفن، وقد يكون الادعاء باكتشاف الحقيقة من هذا المشترك هو ثبوت وجودها قبل اكتشافها، لهذا نكون مجحفين بحق اللغة إن أبقينا وجودها في دائرة التوسط بين العمل الفني والوعي بوجوده. لأننا نلغي بهذا قيمة المرسلات المستقلة التي تحملها، أو مايمكن تحديده بالعلامات المستقلة عن وجود اللغة القبلي، فالسابق هو اللغة كتقنية تواصل، والحي المعاش هو التوليد غير المستقر في تاريخية وجود اللغة كونها جاهزة للتعبير عن أي محمول مبتكر يصدر عن الحس السليم..
إنها حيوية اللغة التي تحيل المرئي إلى جزء من الفكر، وإلى مادة للتفكير وتحقيق المعاني الجديدة، المعاني التي تعبر عن كل حقبة من الحقب، بحسب الفلسفات التي تجعل من الرموز مادة قابلة للتبدل في إطار رمزيتها الفنية.
خارج القضايا الكبيرة، أقصد القضايا التنظيرية التي تهتم بالمطلقات، وأكثر اقتراباً من المنتج الفني واختياراته المعاصرة، هل ثمة مايُشعر بهدر الحياة، بغياب الإنساني؟ هل هناك فيها مايعكس تجربة فردية تعبر عن اللحظة المُعاشة؟ أم أن أغلبها ابن الماضي؟ ينهل منه الموضوعات والأساليب والتقنيات، وباقي المعارف التي يحتاجها لإنتاج عمل فني قد لايُنقص غيابه من قيمة مُنتِجه، أو يؤثر في نظام التعبير الفني.
تحتاج الفنون البصرية إذن إلى تنمية ذاتية ومؤسساتية بآن معاً، إلا أن السؤال الأهم : من يرسم برامج هذه الفنون البصرية، وهل تمتلك طبقة من النقاد المتخصصين الإجابة عن مثل هذه التساؤلات بمسؤولية ومهنية حتى لو كانت في الحدود المحلية، وهل سيكون بالإمكان استيعاب النمو اليناميكي لهذه الفنون، وباقي الكتابات المرافقة، فيما إذا استقرت أوضاع الإبداع على المستويين التطويري والتحديثي.
باتت الفنون اليوم جزءاً من آليات الإعلام الافتراضي، والمنشورات التي كانت محدودة الوصول إلى جماهيرها باتت الآن متاحة، وأي اسم ناقد أو باحث في هذا المجال بات ممكناً الوصول إلى منتجه أينما كان، بغض النظر عن اصطفافه أو مواقفه. وهذا يستدعي الكثير من توثيق المعلومات والجهد للوقوف على منتج النقاد، وعلى النقاد ذاتهم، مؤهلاتهم، إنجازاتهم، اختياراتهم، آراءهم حول القضايا الأساسية المتعلقة بالجوانب النظرية للفنون، وطريقة كل منهم بالكتابة لجمهور الفن، والأوساط المجتمعية الأوسع، بحيث نتلمس إمكانياتهم بمواكبة التطورات المتسارعة لعوالم الفنون البصرية المعاصرة.
عندما نتحدث عن مثل هؤلاء الكتاب الثقافيين أو النقاد ممن يهتمون بالفنون البصرية، يعني أننا نتحدث عن صورة متكاملة لمهنة تتطور بتطور آليات التفكير البصري بشكل عام. بل إن التطرق لاشتغالاتهم وإبرازها في الوسائط الإعلامية والنشرية المختلفة إنما يمثل دفعاً أكيداً للحوار الجاد حول الفن، وحول أهمية امتهان الكتابة والتفرغ لها، وتحقيق الأمان والوقت لمثل هؤلاء الكتاب، للتفرغ في إطار المعايير الأخلاقية للمهنة التي تربطهم بالمحترفات، خاصة في المجالات التي يغلب عليها التحديث، واشتغالات الشباب الذين يقع على عاتقهم تجاوز الراسخ والراكد في الفنون البصرية، ومتابعة التجارب التي تعتمد في وجودها على تركيب الوسائط والأفكار المختلفة، وتحويلها إلى مشاريع فنية وتصاميم مبتكرة، وخلق المفاهيم التي سيكون على النقاد والكتاب المتخصصين إشراكها في مشاريعهم، وإيضاح علاقتها ببيئة إنتاجها.
بذلك يمكن القول: إنهم يستعرضون بشكل مهني، وعبر تنوع خلفياتهم الثقافية، المنجز البصري العام، بهدف تثقيف المطلعين على نصوصهم، والمتابعين لكتاباتهم. بل إنهم يشكلون الجسر الذي يربط الأطراف ببعضها البعض لتعميق الحوار بين الفنانين وجمهورهم، وأحياناً يتعدى الأمر كل ماذكرناه للوصول إلى تقييم التجارب الفنية، ووضع الفنون في سياقها التاريخي، أو الثقافي، أو الاجتماعي. وهم يقدمون بذلك صورة متكاملة لمقتني الفن لتكوين رؤيتهم الذاتية حول الاقتناء، واعتبار كتاباتهم أحد المحفزات الضرورية لتشجيع الفنانين على استمرار العطاء.. إن ملاحظاتهم وتحليلاتهم وانتقاداتهم هي التي ترسم دورهم المجتمعي بكل جرأة وتميز، وهو مايحتاجه الفن في صعوده المستمر، وتطوره، وتعقد سبله ومجالاته.. إنه مايضع النقاد أمام مسؤولياتهم لخلق المعايير الصحيحة، والتركيز على هوية الإبداع ومعاصرته وسبل تداوله في مختلف المواقع وليس في مراكز التجمع الحضاري والمديني فقط.
لنقاد الفن درجة من النفوذ في الساحات الفنية، لكن هذا يعود إلى بنية العلاقات التي تربطهم بالأفراد والصالات ومقتني الفن ودور النشر ووسائلها المختلفة، ولا يعني هذا النفوذ في حال من الأحوال قدرتهم على صياغة توجهات الفن والإبداع، أو توجيه الخطاب الفني بصورته العامة، ويكفي الاطلاع على آراء الفنانين وأصحاب الصالات وأرباب المزادات ومروجي الفن للوقوف على الانتقادات التي يوجهونها عادة للنقاد، ولكتاب المقالات الفنية في الصحافة، والكشف عن أخطائهم ومحاولاتهم لتوجيه الذوق العام دون دراسات مسبقة، بل قد تصل الاتهامات إلى اعتبار الكثير من كتاب الفن مدعين لايملكون الأهلية، والبنية التي تمكنهم وتسهل تعاملهم مع الفنون المحلية، بنفس السوية التي يتعاملون من خلالها مع الفنون بصورة عامة.
لابد أن نأخذ بعين الاعتبار متوسط سن كتاب الفن والنقاد، فلكل فئة من الفئات العمرية مواصفاتها الخاصة قياساً بتحولات الفنون، وهو اعتبار عام ينطبق بحسب اختلاف المواقع والمحترفات على كبار السن من النقاد بخبراتهم الراسخة، وعلى صغار السن منهم بتطلعاتهم المستقبلية، أو مايدعون عادة بالنقاد الشباب (إذا جازت التسمية) ففي حين يميل الكبار إلى الكثير من التوصيف والتأريخ، يميل جيل الناشئة من النقاد لمواكبة المتغيرات، والميل للتحليل والتنظير، واستعراض القدرات. وفي حين يتعرض الكبار للنواحي الإيجابية في التجارب الفنية، يميل الناشئة لطرح الآراء الحادة والإشكالية، والتي تخف عادة مع التعمق في التجربة والتقدم في السن.
وبالمقارنة مع نقاد السينما أو نقاد المسرح والدراما يمكن ملاحظة الكثير من الفروقات على مستوى اللغة، أو التعامل مع مضمون يحتاج ليس فقط إلى وجهات النظر الشخصية، أو التغليفات الشعرية، أو مايمكن أن يشكل أزمة على مستوى الوعي بمضامين العمل البصري الغامضة، التي لايكفي التوقع للتعبير عنها، أو عن الدوافع وراء إنجاز مثل هذه الأعمال البصرية التي تبدو للبعض محيرة، ولاتستند إلى مرجعيات ثقافية نافذة تعين على اختراق أسرارها، وهذا مايجعل مهمة الناقد على حدود الخطر في كل مرة يحاول فيها التعبير عن طموحاته في التحليل، وطموحات الفنان في استعراضاته الأسلوبية الفردية، وجهوده التي تستحق التقدير والإشادة والتشجيع.
وإذا كان بعض الفنانين أو جلهم يرون ذلك، فليس غريباً بالمقابل أن نرى بعض النقاد يصرح بأن الكتابة الفنية لاتستحق كل هذا الجهد الذي يطالب به الفنانون، وأن الفن بعد أن ينجز لايستحق كل هذه الكتابات، بل إن مايكتب عادة على أنه إيجابي بحق الفن ، إنما يكرس التقليل من شأن الفن ومبدعيه بسبب الأحكام الآنية التي لاتتوافق وعمومية الفن وإطلاقه وديمومته.. إن كل مايحاول الناقد فعله هو خلق هالة حول عمل فني للفت الانتباه إليه من خلال الكتابة عنه.
صحيح أن الصورة نتاج المخيلة البشرية، إلا أن هناك مايسبقها في الوجود ضمن المخيلة ذاتها. إنه المعنى. وسواء أكثر الفنانون من عبثهم أو قللوا، إلا أن مايحاولون تفسيره سيبقى في إطار المعنى المسبق، وبكل الأحوال فإن لكل منهما وظيفته التي تميزه، وهذا يقود إلى التصنيف الفلسفي الذي يعتبر الصورة خاصة والمعنى كونياً عاماً، سواء كنا نعبر عن معنى حسي، أو معنوي أثيري. دون أن نتجاهل أن الحس الداخلي مرتبط بزمن يمكن أن ندعوه زمن الإبصار، أو السمع . أي زمن التمثلات المتكونة بفعل الوعي المسبق الذي ينتج عنه لاحقاً التأليف البصري على سبيل المثال، والكيفية التي سيكون عليها هذا التأليف، ليتمكن الآخر من فهم هذا التأليف خارج زمن إنتاجه، وإتاحة القدرة على توليده، إضافة لتوليد الممكنات الإبداعية الأخرى منه.
البعد البصري للصورة هو أحد أبعادها الأساسية التي لايمكن الاستغناء عنه، كونه يدل مباشرة ودون وسيط على وجودها، أو لنقل احتمال وجودها، حتى في الوجود الافتراضي لها كونها إضافة معرفية حقيقة غير فيزيقية، نظراً لبعدها النظري الذي يقتضي وجودها البصري، أو يمكن أن نقترح عبارة سيلانها البصري خارج منطق وجودها الطبيعي أو الحقيقي، وخارج الفهم المسبق لوجودها المتدني في محيطات المعارف الإنسانية.
في القراءة النقدية للصورة يتم السعي لإنجاز أسس جمالية يتم عبرها قراءة الصورة وتصنيفها، وهو مايحيل إلى نوع من التنميط للقراءات التي تعتمد على الخصائص والقواعد المنتجة لهذه الصورة. أي تحقيق نص موازٍ يمتلك حرية الانزياح أحياناً ليعود ويستجمع وجوده النقدي بإجراء المقارنات للوصول إلى ماتحت البصري في الصورة (الواقع) وإلى مافوق البصري في الصورة (الشعرية) والوصول بالتالي إلى تصنيف يساعد على فهمها.
وسواء كان إدراك الصورة مما هو فوق البصري، أو تحته، فإن اعتبارها مجهولاً يعني ضرورة التعرف على كل مايساعد على معرفتها، كونها سراً لابد للفن أن يفككه كي يرسم مساره في العصر.
*فنان وباحث في الجماليات المعاصرة
