سلفيت- خاص نوى- وفاء عاروري
ما أن يحل المساء بوحله وسواده في قرى شمال غرب رام الله ومحافظة سلفيت، حتى تنتشر قطعان الخنازير بالعشرات، وتتوغل في المحاصيل الزراعية، وبالقرب من المناطق السكنية، حاصدة كل ما يقع أمامها من مزروعات، ومعلنة منع التجول في المكان.
قرى شمال غرب رام الله، تضم حوالي عشرة قرى، بينها" بيت ريما، دير غسانة، كفر عين، قراوة، عارورة، مزارع النوباني، عبوين، أم صفا، دير السودان، وعجول"، لم تسلم أي منها من قطعان الخنازير على مدار السنوات الماضية، ورغم استمرار الشكاوى والنداءات من أهالي هذه القرى؛ لحماية بيوتهم وأراضيهم من هجمات الخنازير، إلى أن حلًا لا يلوح في الأفق حتى اليوم.
المواطن جمال الحمد "50 عاما" من محافظة سلفيت، وصاحب أرض يطلق عليها "المطوي" -لمحاذاتها وادي المطوي- كان أهالي سلفيت يعتبرونها "سلة غذاء المحافظة"، نظرا لغنى إنتاجها وكونها مصدر الماء الرئيس في المنطقة، قبل أن تقتحمها قطعان الخنازير، وتأكل الأخضر واليابس فيها، حيث تقلص حجم إنتاجها في السنوات الأخيرة بشكل كبير جدا، ولم يبق إلا خمسة أو ستة مزارعين فيها، من أصل عشرات كانوا يحرثونها ويزرعونها ويشرفون على إنتاجها فيما سبق.
يقول الحمد:" في كل عام تهاجم قطعان الخنازير أرضي في موسم الصيف، فيذهب إنتاج المحصول الذي تعبت في زراعته ورعايته سُدى، ولأني أعرف أن الكل سيقول" إن كنت تخسر المحصول فلماذا تزرعه كل عام؟! فالجواب بسيط: لأن المستوطنين على أهبة الاستعداد للاستيلاء على ما تبقى من الأرض، حال غبت عنها شهرا واحدا فقط".
يصّر الحمد على الصمود في أرضه لو اضطره الأمر أن يصرف عليها بدلا من أن تصرف على عائلته، فهو رأى بأم عينه كيف استولت المستوطنات الإسرائيلية على أراضي المزارعين في سلفيت وضمتها لها، بعد أن هجروها أصحابها، لما أرهقتهم العمل فيها دون عائد مادي يذكر.
سألنا المزارع عن مدى استجابة وزارة الزراعة، لشكاويهم بهذا الخصوص، يجيب: بعد كل "هجمة" يأتي موظفو الوزارة لمعاينة وتقدير حجم الخسارة ويعبرون عن أسفهم تجاه ما تسببته هذه الحيوانات، أما بالنسبة لدفع تعويضات مالية، فحتى اليوم لم يتم تعويضي عن أي خسارة تعرضت لها.
لم ينفِ مدير الزراعة في محافظة سلفيت، إبراهيم الحمد، ما أدلى به المزارع، مؤكدًا عدم وجود آلية لدى الوزارة لتعويض المزارعين عن أضرار تسببتها الخنازير، حيث لم يتم إدراجها ضمن قائمة الأضرار التي تستحق بدلا حتى اليوم.
يقول:" أن مشكلة الخنازير التي باتت تشكل التحدي الرئيس الذي يواجه الزراعة في المنطقة، هي تطبيقا حقيقيا لسياسة إسرائيلية ممنهجة، تبدأ من تفريغهم لمياه مجاري المستوطنات في وديان سلفيت النقية، وتنتهي بمنع الجهات الفلسطينية من استخدام أية وسيلة مكافحة لهذه الحيوانات، إذ يتعارض ذلك مع هدفها الأساس وهو تطفير المزارعين وتهجيرهم عن أراضيهم.
ويوضح مدير دائرة الصحة والبيئة في بلدية سلفيت، أشرف زهد أن المحافظة لم تكن تعرف قطعان الخنازير إطلاقا قبل عشرين سنة من الآن.
ولكن إقامة حوالي 23 مستوطنة في المنطقة، إحداها "أرئيل" التي تعتبر ثاني أكبر مستوطنات الضفة الغربية، هو ما خلق هذه المشكلة ومشاكل أخرى أثرت على الحياة بكافة أصعدتها، في المنطقة.
وعن هذه الحيوانات، يقول زهد: عادة ما تبحث عن بيئة رطبة وقذرة للعيش فيها، حيث تتغذى على الديدان والحشرات والسماد العضوي الموجود في التربة، وبتفريغ مجاري المستوطنات في أنقى وديان الضفة، توفرت للقطعان البيئة المناسبة، لتتكاثر وتصبح أعدادها بالآلاف في السنوات الأخيرة.
يؤكد زهد أن بلدية سلفيت استنفذت كافة الوسائل للقضاء على الخنازير في المنطقة، فاستخدمت السموم الكيمياوية التي كانت فعالة في بداياتها، ولكن مع تكاثر أعدادها إلى الآلاف لم يعد الأمر مجديا.
يقول:" كمختص بيئي لا أفضّل استخدام السموم، فلا تقتل الخنازير فحسب، وإنما تقضي على التنوع الحيوي والبيئي وتقتل الحيوانات والنباتات البرية بكافة أنواعها". مضيفًا "تعاونا مع إحدى الجمعيات البيئية المسيحية في بيت لحم، ووفرت لنا المصائد الشبكية ذات الفعالية المحدودة، وزودتنا بالصيادين الذين ساهموا بشكل كبير في حصر أعداد الخنازير في المنطقة. لكن خطورة التواجد في منطقة مصنفة تصنيف "ج"، أي ليست تابعة لسيادة السلطة الفلسطينية بشكل تام، وقفت عقبة في طريق مكافحة الخنازير بالصيد البري".
اتفقت بلدية سلفيت ووزارة الزراعة أن الحل الأمثل للمشكلة هو إطلاق النار على هذه الحيوانات، والذي يظل حلا معلقا لحين التوصل إلى اتفاق فلسطيني إسرائيلي، يضمن الحماية لمطلقي النار في المنطقة.
لا يختلف الوضع كثيرا في قرى شمال غرب رام الله، التي لا تبعد أكثر من بضعة كيلو مترات عن محافظة سلفيت، وإن كان أقل خطورة مما سبق، ما يختلف هنا أن قطعان الخنازير ونتيجة قلة الرطوبة، تتجه إلى البحث عن القمامة في المناطق السكنية وبين البيوت، ناشرة الذعر والخوف بين المواطنين.
يقول المواطن حسن صالح "50 عاما" من قرية عارورة،" البيوت المتطرفة في أول وآخر القرية تعتبر الأكثر عرضة للخطر، قبل أيام فقط اضطررت للاتصال بالشرطة كي أستطيع تأمين طريق لأولادي الذين عادوا للبيت في وقت متأخر، كانت فيه قطعان الخنازير حاصرت المنطقة تماما".
يقول المواطن رائد يوسف "25 عاما"، من نفس القرية، ويعمل في محطة الوقود أول البلد، "أتحدى أن يجرؤ أحد على الدخول للقرية مشيا بعد الساعة العاشرة مساء." في إشارة إلى خطورة انتشار الخنازير في القرية.
فيما يروى المواطن إياد من أم صفا، أنه قبل أيام وقع حادث سير أمام بيته، بين سيارة وخنزير ضخم، أدى إلى تحطيم السيارة بشكل تام، وتعرض الركاب والسائق لجروح بسيطة، حيث تفاقم الوضع إلى حد باتت تمر فيه قطعان الخنازير بكل أريحية من الشوارع وبين البيوت.
بدوره يؤكد رئيس بلدية بني زيد الشرقية، فرح العاروري، أن شكاوي كثيرة وصلتهم بهذا الخصوص، اقتصر مضمونها على أن "القطعان تنشر الخوف والذعر بين المواطنين وتتجول بين البيوت" ولا شكاوي حول أضرار وخسائر مادية تذكر.
يضيف" البلدية استحضرت سموما كيماوية من ميزانيتها الخاصة وقضت على عدد كبير، ولكن هذه الحيوانات تتكاثر بشكل يصعب السيطرة عليه".
خطران يلوحان في الأفق، ويتخوف سكان هذه القرى منهما، وهو أن تؤثر قطعان الخنازير على موسم الزيتون الذي بات على الأبواب، خاصة أن أشجار الزيتون لا تسلم على مدار السنة من تكسير الخنازير لأغصانها، ولا من تقشير جذوعها وإتلافها.
كما ان حلول فصل الشتاء واضطرار طلبة المدارس إلى الخروج من منازلهم في وقت باكر، يجعلهم أكثر عرضة للخطر من الاصطدام معها.
