غزة-نوى-حنان أبو دغيم:
"فستاني سيكون من القماش الأبيض مطرز باللون الأحمر وسأضع منديلاً على رأسي وقلادة جدتي المعلق بها الليرات الفضة التي ورثها أبي عنها وسأجعل خطيبي عماد يلبس القمباز والزفة ستكون على أغنية تراثية".
لكن ما خططت له أحلام "24" كان مجرد أحلام بعد أن قال لها الجميع "لا لن يكن عرسك بالطريقة القديمة وقالوا لها حرفياً "هو انت كم مرة حتتزوجي... إحنا كم ولد عنا وكم عرس بدنا نعمل"
وإحداهن قالت لها:" والله غير أحلى عرس على الموضة نعمل لعماد ونجيب أحسن مغني ودي جي وفي أحلى صالة في البلد وتلبسي أحدث موضة فستان عرس".
استهجان وتخوف
ليست أحلام وحدها من فوجئت بإصرار من حولها على إقامة فرح بكل المقاييس الحديثة كنوع من التباهي والتفاخر بالقدرة على تطبيق كل ما هو جديد واعتبار كل ما هو قديم "بالٍ" لا يصلح إلا للحفلات الشعبية والتراثية والمناسبات الوطنية.
الصحافية نسمة الحلبي "24 عاما" عاشت تجربة ليست بعيدة عن تجربة أحلام تزوجت نسمة من محمد وسبق ذلك أحلام عاشتها نسمة بإقامة عرس تراثي على الأقل فيما يخصها من شؤون العروس كالزفة أو الحنة الخ.....
وقالت نسمة في حديثها:" إقامة عرس على الطريقة التراثية الشعبية الفلسطينية أمر في منتهى الحضارة والتقدم أن نستعيد تراثنا لكن للأسف هذا ما عجزت عن تنفيذه في فرحي عندما قوبلت فكرتي باستغراب من حولي".
تضيف نسمة:"في نهاية المطاف رضخت لأفكارهم واحتفظت بقناعاتي لنفسي خوفاً من عدم استيعاب الناس للفكرة لو طبقتها وأعيش لحظات تعيسة في فرحي وأنا أقرأ الاستهجان والاستغراب في عيون الناس".
عرسي كان تراثيا
على النقيض أصر الفنان أحمد الأطرش وهو مغني وفني مونتاج على إدخال بعض اللمسات التراثية على فرحه وعلى رأسها الزفة فيقول أحمد:" قبل الفرح بدأت بإعداد وتحضير الأغاني الخاصة بليلة الفرح ولكني فوجئت أني لا أشعر بأي منها لتكن أغنية الزفة الخاصة بي وبعروسي".
يضيف أحمد:" فكرت بتأليف أغنية وتلحينها بالطريقة التراثية بشكل خاص لزفتي وفعلا نجحت الفكرة وكانت من أروع ما يكن حيث كانت على شاكلة أغاني يا زريف الطول".
وعن ردة فعل الناس يؤكد أحمد أن المعازيم اندهشوا من الفكرة وجرأة تطبيقها بل على العكس قسم كبير كادت العجائز تبكي فالأغنية أعادت إلى أذهانهن صورة الأعراس القديمة.
أما ردة فعل الشباب فيقول أحمد:" عدد كبير من أصدقائي وأقربائي طلبوا مني إعداد شيء مماثل لهم وخاص بأعراسهم من شدة إعجابهم بالفكرة فهي تعود بنا لأعراس أجدادنا وتجعلنا نعيش ولو للحظات من ذاك الزمن الجميل".
ويشير أحمد إلى أن الزفة ليست وحدها التي كانت على الطريقة التراثية بل حتى حفلة الشباب لم يغنى فيها إلا أغاني تراثية فرحة وقدمت فيها الدبكة الشعبية حيث تشابكت أيدي الكبار والصغار في مشهد "أكثر من رائع" على حد وصفه.
ترف زيادة
الغذاء في أفخم المطاعم والاستعانة بالدي جي والرقص على الأغاني الحديثة بطريقة أقرب إلى الغرب تطفلت على أعراسنا حتى لم يعد عرساً تقريباً يخلو منها.
أبو سليم الكيال "52" عاماً يستذكر فرحه قبل حوالي ثلاثين سنة فيقول:"بس المغني غنى أغنية مصرية قديمة أبويا قام بالعكاز وما بدو غير يطرده".
يضحك أبو سليم ويستهجن أن أفراحنا أصبحت أغنية غربية وأغنية شرقية واختفاء الغناء الفلسطيني.
وعن سبب انتشار هذه المظاهر حسب اعتقاده يعتقد أبو سليم أنها فقط من باب الترف وكثرة الإنفاق على الأفراح من أجل التباهي فالكل يقلد بعضه.
أما الحاجة خديجة الديب "أم رأفت" "86 عاما" فقالت :" الله يرحم أيام زمان لما كانت كل العيلة بترقص وبتغني أسبوع بلياليه، العروس تلبس هالثوب المطرز ونعمل هالحنة قبل يوم ونذبح يوم العرس وكل البلد تأكل لتشبع، شو أقولك على الزفة كل الشباب يلتموا والدبيكة واليرغول والطبل يرن طول الليل لوجه الصبح وإحنا نزغرد ونهاهي " الأهازيج الشعبية" والناس مش زهقانة ولا إلها الخاطر تروح".
تضيف:" في أعراس اليوم نملّ الطبل والزمر من غير معنى ولا روح وزيادة تكاليف وبهدلة وموضة لا داعي لها".
تؤيد زينة الصفدي "32 عاماً" كلام الحاجة خديجة ومع ذلك فهي تقول:"أنا مقتنعة بكل هذا الكلام ولكنني كم مرة سأتزوج، كيف أجازف بيوم العمر بأن يكون جميلاً أو لا، وربما لا تتقبل النسا الفكرة".
لكنها مع ذلك تتمنى لو أن بعض من المؤسسات الرسمية أو الأهلية الخاصة بالتراث تتبنى فكرة الدعوة لإحياء الأفراح بالطريقة التراثية وتقول:" أبسط نموذج من يقيمون الأفراح الجماعية بإمكانهم تطبيق الفكرة وستكون رائعة ومميزة جداً وبداية لتحفيز الآخرين على إقامة أعراسهم بالطريقة المماثلة".
يضيف على قولها محمود الهباش "21 عاما" فيقول:" الأمر يحتاج إلى القليل من الجرأة ولو نفذت الفكرة مرة أو مرتان سيصبح الأمر عادياً بل على العكس قد نبدع ونجدد ولكن نظل نحافظ على أصالة تراثنا العريق".
محاولات شبابية
نظراً لأن التراث الفلسطيني هو أحد أوجه تأكيد الهوية الفلسطينية يسعى ثلة من الشباب بجهود فردية لإبرازه، عبر الدعوة لإحيائه في مختلف المناسبات..
يقول الناشط الشبابي عمر أبو شاويش:"رغم غياب ملامح التراث عن أعراسنا الفلسطينية لسنوات لكن في الآونة الأخيرة بدانا كشباب متطوعين وبجهود ذاتية العمل على احياء التراث الفلسطيني ليصبح سمة أفراحنا اليوم"..
ويضيف:"وجدنا تفاعلاً كبيراً من الشباب وتفاجئا بأن لديهم ميولاً كبيرةً باتجاه إحياء التراث والزي الفلسطيني في الأفراح والمناسبات".
يشير أبو شاويش أنه انتشرت مؤخراً ظاهرة تخصيص يوم للتراث الفلسطيني كالدبكة الشعبية والاستعراض والفلكلور الفلسطيني ووضع خيمة ومقتنيات تراثية مع أغاني تراثية ووصلات غنائية قديمة ذات اللهجة الفلسطينية.
عن دور الشباب في احياء التراث يؤكد عمر أن الإيمان بالفكرة مهم جداً وتطبيقها على المستوى الشخصي، وشيئاً فشيئاً تتحول لتصبح ظاهرة.
يشير عمر إلى تجربته الشخصية مع عدد من أصدقائه وكيف أنه شجعهم على تغليب الطابع التراثي على أفراحهم حتى في دعوات الفرح التي صممت على شكل كوفية وتطريز فلسطيني، مؤكداً أن الإعجاب بالفكرة وتطبيقها دليل أن هذهِ الروح متأصلة ومتجذرة داخل الشباب الفلسطيني حفاظاً منهم على الهوية والتاريخ والتراث والإرث النضالي لشعبنا ولقضيتنا الفلسطينية.
