متى الإفراج عن بهجة الموالد الشعبية؟
تاريخ النشر : 2015-09-25 13:51

بقلم - مصطفى السعيد :

جرى إلغاء معظم الموالد بقرارات من الجهات المحلية، لاعتبارات توصف بأنها أمنية، لكنها فى الحقيقة لم تكن سوى انصياع لرغبة أو ربما ضغوط الجماعات السلفية، التى عبرت عن رفضها الاحتفالات الشعبية فى الموالد، بلغت فى فترة حكم جماعة الاخوان حد تقليص مولد الامام الحسين، والتهديد بهدم عدد من الأضرحة فى الكثير من القرى والمدن.

وترى هذه الجماعات أن الموالد من مظاهر «الشرك» والعياذ بالله، وتتهم الجماعات الصوفية بالخروج عن الإسلام، وتكفرها بشكل ضمنى أو صريح، رغم أن الموالد الشعبية عميقة الجذور، ويجرى الاحتفال بها بطول البلاد وعرضها، حتى يندر أن تجد قرية أو مدينة فى مصر ليس لها مولد، الذى يعتبر أهم عيد شعبى لها، مرتبط بأحد الأولياء من المعروفين بالتقوي، أو أحد القديسين المسيحيين، ويتشارك السكان فى الاحتفال بالمولد، سواء كان مرتبطا بأحد الأولياء أو القديسين.

إن عودة الموالد هو إحياء لتراث وأعياد شعبية ارتبطت بروح الشعب المصري، وحان أن تتحرر من وطأة الجماعات السلفية والتكفيرية، بل انها ستكون أهم مظاهر التحدى الشعبى لهذه الجماعات، وتعيد إلى قرى ومدن مصر أعيادا تحفل بالبهجة.

لم تكن أى قرية أو مدينة فى مصر إلا ولها عيدها الخاص، هو «المولد»، الذى يستمر الاحتفال به بين أربعة أيام إلى أسبوع، تنتهى بالليلة الكبيرة، ويشارك فى الاحتفال كل السكان، حيث يحرص الأقارب والمغتربون على العودة فى فترة الاحتفال بالمولد، فتلتئم العائلات، ويغمرها الفرحة، وهى تتجمع فى البيوت أو خلال حضور احتفالات المولد.

ويتم اختيار أوسع الساحات لفعاليات المولد، وتتنوع فيها بشكل كبير، فإلى جانب الإنشاد الدينى وتجمعات «الذكر» للجماعات الصوفية، فهناك كل صنوف الاحتفال من أراجوز ومراجيح وغناء وحواة وباعة لكل أصناف الطعام والشراب، فى جو كرنفالى جميل تغلفه الأجواء الروحية للمتصوفين.

من الممكن تطوير الموالد الشعبية، وأن تتضمن فعاليات فنية، تشارك فيها وزارة الثقافة، من خلال قصورها وفرق الفنون الشعبية والمسرح والعزف والغناء، بما يثرى الثقافة والفنون، ويربطها بشكل عضوى مع قاعدة واسعة من الشعب، وتتنقل هذه العروض مع مختلف الموالد الشعبية، لتتحول إلى كرنفالات عصرية، مثل معظم المدن الأوروبية، مع الاحتفاظ بجوهر وخصوصية موالدنا الشعبية.

لقد أنجبت الموالد معظم نجومنا فى الغناء والتمثيل والتلحين والإنشاد، فقد كانت الموالد المفرخة الأساسية للمواهب الفنية، حيث الجمهور مهيأ للتلقى والتفاعل مع المواهب الجديدة، والتى سرعان ما يتسع صيتها، وتتجاوز نجوميتها المولد الشعبي، لتصل إلى مراكز انتاج الفنون، بمواهب مصقولة، تمرست على التفاعل مع جمهور عريض ومتنوع.

قد تواجه فكرة عودة الموالد الشعبية بعض الاعتراضات، خاصة من الأجهزة المحلية والأمنية، والمبرر جاهز وهو صعوبة تأمين الموالد، بسبب الزحام، الذى قد يستغله البعض، وهو مبرر لو اعتمدناه لألغينا كل الأعياد، وفى مقدمتها شم النسيم، وحتى عيدى الفطر والأضحي، لأنهم الأشد زحاما، والأكثر فى معدلات الحوادث، بينما المولد الشعبى يجرى الاحتفال به فى نطاق جغرافى ضيق، يسهل السيطرة الأمنية عليه.

أما الاتهامات الأخرى الموجهة إلى الموالد، والتى تحاول بها الجماعات السلفية المبالغة فيها أو افتعالها لتشويه الموالد الشعبية، فهى أنها تشهد بعض السلوكيات الخارجة، خاصة التحرش، وهى اتهامات موجودة طيلة الوقت، ويمكن حدوثها فى أى تجمعات، كما يمكن مواجهتها والعمل على المشاركة الشعبية فى الحد منها، والحل لا يمكن أن يكون بالغاء أى احتفال أو تجمع جماهيري، لاحتمال ارتكاب سلوكيات خاطئة فيه.

الموالد الشعبية هى روح مصرية خالصة، وأهم أعياد المصريين التى لا ينبغى التفريط فيها، بالمنع أو التقليص، بل يجب أن تكون أدوات للرقى الروحى والثقافى والفني، وممارسة الفرح الجماعي، مثلما كانت دائما.