رام الله- خاص نوى- وفاء عاروري
تتحدث عن آلة الكمان أو الكمنجة، كما لو أنها الشيء الوحيد الذي فهمها في هذه الحياة، تصفها بالآلة "الحزينة، الحنونة، والقريبة من القلب"، ما إن تلامس أطراف أصابعها أوتار الآلة، حتى تشعر بأنها لامست مركز الإحساس الكوني العظيم.
ميساء تحسين البشتلي، 25 عاما، من غزة، طالبة في جامعة الأزهر، تدرس تخصص الجيولوجيا والمصادر المائية، تعشق اللعب بالآلات الموسيقية، وتحترف العزف على آلة الكمان التي أحبتها منذ الطفولة.
تقول البشتلي" الكمان آلة قريبة من الإنسان، حتى طريقة تثبيتها مختلفة عن بقية الآلات، حيث يمسكها العازف بشكل قريب من الرقبة والقلب، ناقلًا ما يختلج في صدره من مشاعر على شكل نوتات موسيقية".
ولأن رسوم المعهد الوحيد للموسيقى في غزة مرتفعة جدا حسب ميساء، كما أن كل المنح والمساعدات الدراسية تكون للتخصصات الأخرى، قررت أن تدرس تخصص الجيولوجيا والمصادر المائية؛ ليظل عزف الكمان مجرد حلم بالنسبة لها.
تضيف البشتلي" لما بدأت دراستي الجامعية، كنت أذهب لمعهد الموسيقى، وأتفرج على الأولاد الصغار وهم يعزفون، ودرست عددا قليلا من حصص النوتة عند أبو إبراهيم النجار، في المعهد الوطني للموسيقى، الذي شعر بشغفي للآلات الموسيقية فسمح لي بالتدرب على الكمنجات الخاصة بالمعهد بشكل مجاني.
ولما كان اقتناء آلة الكمان أشبه بحلم بالنسبة لميساء، لم تترك بابا إلا وطرقته في سبيل تحقيق حلمها المعهود حتى دون امتلاكها لآلة، فبدأت تتعلم العزف وتدرس النوتة الموسيقية عن طريق اليوتيوب، حتى وصلت لمرحلة ممتازة من العزف، بشهادة عدد من الأساتذة والعازفين.
تقول البشتلي" اليوتيوب كان بمثابة طريقة سحرية لتعلم العزف بشكل مجاني تماما، ولكنه ليس الأسلوب الوحيد الذي استخدمته، فكلما سمعت عن شخص يملك آلة كمان كنت استسمحه لاستخدام آلته بعض الوقت وأتدرب عليها."
وكانت البشتلي تتردد على بيت الفن والموسيقى للتدرب ثم بعد فترة بدأ بتدريبها عازف الكمان الغزي المعروف؛ سهيل أبو حليمة، الذي دربها شهر كامل دون أي مقابل مادي، فقط لأنه شعر بحبها وشغفها للكمنجة.
ليصبح أبو حليمة القدوة الأعلى لميساء في العزف، على المستوى المحلي، إلى جانب العازف الشهير ياسر عبد الرحمن، الذي أبدع في العزف الشرقي على مستوى العالم.
الرسم عمل!
ومن الملكات التي وهبها الله لميساء أيضا، موهبة الرسم، حيث ورثتها عن والدتها وجدها. ولعل أجواء الوحدة ووقت الفراغ الطويل الذي تقضيه الفتاة، كان محفزا آخرا جعلها تستغل هذه المساحة من الوقت لممارسة الرسم "كعمل".
تقول البشتلي: بدأت برسم وجوه الأشخاص، وكان أولها صورة لابن عم في الغربة، تلاها دكتور جامعي احترمه كثيرا، ولما وجدت التشجيع والدعم من كل من هم حولي، فكرت في ممارسته كعمل يساعدني على القضاء على الظروف الاقتصادية الصعبة التي أعيشها ككافة الطلبة في قطاع غزة.
ورغم أن ميساء أبدعت حقا في رسم الوجوه، إلا أن حلمها الحقيقي بالوصول لمرحلة الاحترافية في العزف ظل قيد الانتظار، بل كبر أكثر بعد أن اكتشفت نفسها في الرسم، فأصبحت تحلم بمعرض خاص بها تجمع فيه بين الرسم والموسيقى، ويكون على مستوى عال من الرقي والحرفية.
البشتلي تجاوزت كل الصعوبات من أجل تحقيق حلمها، سواء الصعوبات المادية وعدم امتلاكها للكمنجة، أو الصعوبات المجتمعية نتيجة نظرة المجتمع الغزي غير الحميدة لها، "كفتاة عازفة".
لتكون أكبر نجاحاتها انضمامها لفريق من العازفين بطلب من نادي غزة للمواهب، حيث ستجري تدريبات مكثفة للفريق على العزف، وهي الخطوة الأولى لها على سلم إبداع ربما يوصلها العالمية يوما ما.
للبشتلي طموح آخر يكمن في توصيل رسالة الشعب الفلسطيني للعالم أجمع، الذي على الرغم من اختلاف لغاته وأديانه وأعراقه، إلا أن الفن والموسيقى، والنوتة الموسيقية تحديدا وحدته، كيف لا وهي لغة التواصل الوحيدة التي تفهمها جميع بلدان العالم.
