أجرى الحوار :أسامة الرنتيسي
1 - نجوى شمعون شاعرة تنبض بالكلمات الشفافة ولغة الحب في هذا الزمن الصعب، لماذا اخترت الشعر؟
الشعر ولد معي بذات اللحظة أو لربما تلبسني مع أول صرخة للحياة /أو كذلك توأم خلاصي لعالم أكثر اتساعاً ودهشة
لكل انسان خصائصه والشعر خاصية الجمال والبهاء في الكاتب إنها روحه الأخرى المتمردة والمنفلتة على العالم
هو يشبه آلة الموسيقى تحملها معك أينما ذهبت مع فارق أن الشعر يتلبس جلدك وحواسك كلها ويأكلك على مهل العاشقة ...
2- وجودك في قطاع غزة المحاصر، هل يلهمك لكتابة الاجواء المفقودة ام يدفعك للبحث عن ذاتك اكثر؟
الكتابة جزء مني وجزء أساسي كالهواء كالماء كالعطر ...والحصار جزء من القتل اليومي لكل ما يتعلق بالحياة يردمها تحت التراب دون رحمة
من الطبيعي أن الإنسان كلما أُغلقت في وجهه سماء مارس البكاء كغيمة
لربما في غزة تندلق الحياة على ركبتها تمارس غواية ما ... كي تتنفس الحياة على طريقتها الخاصة وكذا غزة تفرد الوجع في زهرة نبتت على يديها بين حجر وحجر
لهذا جاء فعل الكتابة أكثر توحشاً وجسارة ينحت في الهواء فينز ويخربش القلق فيتهاوى كل حصاة مررت بها أسالت دمها حين كتبت عليها بعض نزيفي لذا برأيي الألم يفجرنا يجعلني كشاعرة أنبش فيه وأكتب الكتابة هنا تعانق الدمع والفرح والقسوة تمزج بين حياة وموت حب وكره والمزيج عصى الراعي وتراتيل صلاة
وجودي في غزة شكل الكثير من تجربتي أشبه بمغارة ينحت في الماء صور البكاء وطريق للعابرين من بعدي ..غزة قمة التراجيديا والكوميديا معاً إنها خاصرة فتاة شهقت للحياة فقتلوها ببطء الجاني ليست مأساة غزة بل مأساة العالم الذي يدعي الحضارة وكفى ...
3- كيف تقييمين حال الشعر العربي والفلسطيني خاصة في ظل اجواء الربيع العربي؟
الكتابة صارت حال العاجز بعد أن كانت حال المقاوم ...
بداية الثورات مختلف تماماً عن نهايتها يوجد فاصل كبير من عدم الفهم والزج بأسماء كثيرة يتلقفها المشهد ليصنع منه/ها بطل ثورة الشيء الوحيد الفعلي هو القتل ورغم ذلك لم يتوقف حتى اللحظة ،شعوبنا عبدت الحاكم والرئيس والشيخ رسموا له تاج الألوهية على الأرض وسبحوا بحمده لا يمكن بين لحظة وأخرى أن تغير عقلية ترسخت فيها صورة الحاكم وسطوته صحيح أن الثورات أزالت أقنعة لكنها نصبت أقنعة لآخرين فجاءت القصيدة مكملة عند البعض مساندة وداعمة للسلطة أو سواها
برأيي لن أعتبر أن الشعر العربي وقت الثورات جاء لينتصر للمغلوب ولكناس المدن والخباز الا إن كانت هناك بعض القصائد التي انحازت للحرية وللمشهد العربي بكل تفاصيله ووجعه وموته المجاني ..الشعر أيضاً ارتدى قناعه بحسب الشاعر وأهدافه ومناصرته للحاكم الذي نصفه يوماً فقط ليضع اسمه على الرخام رخام السقوط
الشعر العربي أغلبه انقلب الى الذات خصوصاً مع العجز الذي نعيشه صار يكتب عن الذات عن تألمها ويتمحور بذات الوقت بقصائد حزن عن ما يحدث في كل البلاد العربية من قتل واعتقال وتدمير ومزجها باليومي القهر اليومي صار عادة العربي في أرضه والموت اعلان لا ينتهي عن المصادقة على أرواحنا المضيئة لتلمسها نار العتمة حين تخبو
لا يمكنني تخيل أن كل هذا الموت لنا ولأطفالنا وأيضاً للشعر الذي يحاول ان يتغلب على سفح قامته في كل مكان ...
الشعر مثلنا يحزن ويُخزن الوجع يكتب لينتصر وليرفع القصيدة عالياً لا للهبوط فيها في الوحل
وبرأيي الشعر ليس فقط أن تكتب وتواكب الحالة لا بل تصنعها وتديرها لأن القصيدة إن لم تكن مطراً رجمتها النباتات وماتت راضية وعليها أن تكون السيف في يد قائلها
4 – بمن تأثرت من الشعراء ولمن قد يصل طموحك الى القامات الشعرية العربية الموجودة حاليا؟
محمود درويش ونزار قباني وانسي الحاج وواسيني الأعرج
أتمنى أن أكون مختلفة ومميزة لي طابعي الخاص كنت سابقاً أطمح للوصول لقامة محمود درويش لكني وجدت أن هذا الحلم سيبقيني في تجربة درويش محتجزة في جماليات عالمه لابد من الاختلاف لنتشابه ونختلف لابد من كتابة تتجرع من صدر الألم وتقتات عليه لكل شاعر /ة تجربتها التي تمتد في جذور الشعر عالياً
أنا أحاول فعل الكتابة أحاول أن أرفع الغيمات لتغتال العادي واليومي في حياتي احلم ان ألامس القلق بيدي ذلك القلق الذي كثيراً ما أرهقني وأزعجني حتى صرت أتخيل شكله،لونه،شكل افتراسه لي جعلت من السراب هيئة نجمة إن لامستها اختفت فكنت طفلتها المدللة وهكذا صنعت منه لعبتي ،كان علىّ أن اهادن كل شيء لأكتب بدءاً بافتراس بالحزن إلى خربشة القلق على قلبي هكذا صنعت عالمي وكتبت ومزجت العطر مع الدم مع الصراخ ومزجت اللذة بأنياب ذئبة تعو ..كتبت كل شيء بنص واحد الحياة والموت وغربلتها في يدي كيس هدايا ،كلما كتبت تحررت مني من حق الألم من خذلان حب أربكه صهيلي ليلاً لأكتبت قصيدة
أبحث عن الدهشة في النص عن وجع يمتد في غنج القصيدة وفي حربها عن كل ما يخرج من النص حين كتابته كل شيء فيه أخضر طري ومبلل كل شيء فيه يقطر دم الحكاية طازج في التأويل ممتد في الصفات حين أقرأ درويش وأنسي الحاج وواسيني الأعرج يمتد وجع خفيف في المرآة والمرآة أصل الصورة إن قلبتها تخرج نفسك عليك كلما قرأتهم دخلت عوالم أخرى ينتفض شريان قلبي كلدغة حب تنتشر مسرعة في الأعصاب ولا يتركني النص مهما شربت منه وارتويت عض على القلب ليستفزه ثانية وهكذا يأتيك نصفهم فيك وهو ما نسميه في التأثر الكلمات لا تموت تطل فيها روح كاتبها أكثر هدوءاً وشراسة تخمشك كلك بهدوء الموتى كلك جزء ميت جزء حي يتوالد فيك من لكزه وقوة جماله المختلط بالنص وبروحه هذا هو الشعر لا يمكن تخزينه أو قتله أو حتى بموت صاحبه يقفز عليك يقبلك ويخمش ما تبقى فيك ...لا تجوز علينا سوى الرحمة نحن القراء والشعراء
5 – هل هناك حركة شعرية نشطة في قطاع غزة؟
من الطبيعي وجود حركة شعرية نشطة لكنها متفككة ليست شاملة ومعنية بالمشهد الثقافي ككل والسؤال الذي يطرح نفسه هل هناك حركة شعرية معنية بالمشهد الثقافي ككل بغض النظر عن الحزبية أو المعرفة او الصداقة
هنالك أصوات رائعة ومميزة بالمشهد لكن أيضا السؤال هل هناك اهتمام بهذه الأصوات بعيدا عن السياسة التي اقتحمت وسلخت كل شيء فينا ...
6 – هل توجد مؤسسات ثقافية تعزز العمل الثقافي والادبي في قطاع غزة؟
يوجد مؤسسات ثقافية تهتم لكن كنشاط للمؤسسة فقط وليس من أجل توهج المشهد والاهتمام به
وهذا هو الفرق أن تعمل لأجل المشهد الثقافي أو كهدف مؤسساتي بحث على العموم لابد من وجود أديب يلسعه ما يحدث ليكون الاهتمام شاملاً لحركة مميزة ونشطة ...
7 – نبذة عن اصداراتك الشعرية والمشاريع المقبلة؟
صدر لي ديوان "كما ينبغي لي" 2005 للمركز القومي للأبحاث و التوثيق وبيت الأمة ،قصائد ضمن كتاب مشترك لبيت الشعر الفلسطيني،وأخرى ضمن كتاب الإشراقة المجنحة،وشاركت بقصص ومقابلات ضمن كتابين لمركز شؤون المرأة بغزة عن حربين من الحروب على غزة.
لي مجموعات لم تطبع بعضها كتب بدم طازج على صفحاتي بالفيس بوك ومدوناتي
وكان ذلك أشبه بولادة في مذبح التكنولوجيا ،شاركت في 2013 بمعرض الكتاب الدولي بالمغرب،مشاركة بالشعر وقصص للأطفال.وحالياً العمل العودة للكتابة بشكل اوسع من خلال كتابي رسائل الحرب الأخيرة على غزة،ومشاريع أخرى سأعلن عنها حين تكون جاهزة.وأيضاً العمل على الاشتغال بأفلامي الوثائقية.وأيضاً عملي منذ فترة في تدريبات حُسن الحال والأمن المتكامل والدعم النفسي حكاجة ومطلب أساسي لأهل غزة بعد خروجهم من الحرب وعيشهم المستمر في ظل ازمات متكررة،وحاجتهم للدعم النفسي والبرمجة وغيره من تدريبات في علم الطاقة أقوم بتدريبها في بعض المؤسسات إعلاميات وإعلاميين.
8 – هل تجدين مساحة للشعر في هذا الزمن الصعب؟
القصيدة مرسم الشاعر وعزلته
كل المساحة للشعر لأنني ببساطة لو لم أكتب أموت ،الشعر هو الرئة التي أتنفس بها
كلما ضاقت المساحة اتسع الجسد ليطلق الروح بعيداً في خيالها فتجمح
الحياة في المدن العربية ليست سهلة ولا بسيطة هى العيش في طواحين الهواء
لا أكتب من ترف انما للفت انتباه القصيدة في عطرها المنفلت على كل فيّ
لربما أحاول مزج الوجع بضحكة تعلو وتتقد على البكاء ولربما دمعة أوقدت قصيدة لتكتب بشكل مختلف وبعيد عن الصورة الحقيقية للمشهد او التجربة
أحياناً اخلق النص وأنجر وراءه متسولة لحالاته التي يقتنصها فيّ وأحياناً تركض خلفي القصائد في شكل قطيع من الاقحوان
كل فترة تختلف القصيدة في حضورها وفي غيابها تختبئ في مسامات جلدي تنخزها في شهوة الدهشة والمعرفة والاكتشاف ليس أجمل من أن تكتشفك قصيدة وتلهو معك تكدس الليلك حولك وبينك وبينها فتنة الوجه للوجه ملامسة للداخل فتخرج على هيئة سكين ولابد لها من طعنك عند الخروج وعند العودة للجسد كروح تسكنك
كأنك تكتب فوق الغيم مأتمك أو ترسم فرحك المنسي في وجه المدى
لا يمكن اختصار قصيدة في جملة أو في مدينة نازحة أو في سياحة لمعالمها انها مختلفة تماماً عن ما حصدت أيدينا
جريمة مشروعة تنتفض فينا لا أنت مدان بها ولا هى ضحية أفعالك بها ..إنها فقط خصر يهز العالم ويسقطه يهزك كلك قطعاً من البلور او من حجارة نادرة او لا شيء يذكر يتركك حبات رمل على الطريق وفي أيدي المارة
9 – نجوى شمعون..من انت وماذا تطمحين؟
التعريف عن نفسي من أصعب ما يكون
حين أقول لي –من انت ،تقفز المرآة في وجهي فيها خطوط يدي وسماء عالية نوارس تتقدم المشهد وغزلان واثبة فوق تلة قرب رعد لا أحد يستطيع أن يسقطك هناك عن هنا لابد لهم أولاً من شق صدرك بسكين ليجهضوا القصيدة فيه ويغتالوا حلمها،القصيدة أبسط من وثبة غزال،وابسط من جناح عصفور يرفرف فيسقط المدى.
أنا صوت الناي بيد ترتجف على حلمها ...أنا الصاعدة نحو النور فيّ.
