غزة- خاص نوى- مشيرة أبو شماس
" أمي أريد ذراعًا كباقي البنات، لماذا لا تتحرك ذراعي؟" سؤالان توجههما الطفلة آلاء ابو عمشة يوميًا لوالدتها، التي تقف عاجزة، حتى عن الإجابة، ووقف أوجاع طفلتها.
أصيبت آلاء، 7 سنوات، في عدوان 2014، بقطع في عصب اليد اليمنى من النخاع، و هذا يعنى كما تقول والدتها، أنها تحتاج الى تدخل جراحي لزرع عصب في النخاع ، ثم وصله في عصب اليد، والتقنية غير متوفرة في قطاع غزة. وأقصى ما سيقدمه التدخل الجراحي في غزة: "وصل العصب" ونسبة نجاحه 30 % ، وذلك يعنى مخاطرة بمستقبل ذراع طفلتها، قد يكتب لها العمل من جديد.
تقول أزهار أبو عمشة، 33 عامًا:" لم تعد طفلتي آلاء كما في السابق، اصبحت اكثر عصبية وخمول، زادت حساسيتها من كل الأشياء، ابنتي تعلم أنها لم تعد بوضع طبيعي، وأنها ليست كباقي الأطفال".
لم تعد حياة أزهار اليوم كالسابق أيضًا، فحياتها المستقرة اهتزت جراء اصابة طفلتها، ويتوجها الخوف والقلق والمستقبل المجهول، تقول "أقضى وقتي بين المستشفيات هنا وهناك، أشتاق لقضاء وقت مع أطفالي، لقد ضاع حظهم من الاهتمام بسبب إصابة آلاء، يؤلمني سؤالها ومطلبها الدائم بما لا أستطيع تلبيته".
تضيف" احاول جاهدةً توفير قدر المستطاع حياة أشبه بطبيعية لطفلتي، كل ذلك على حساب راحتي ونومي أو حتى وجبة نسيت تناولي، من تعبي وانشغالي".
في بيتها في حي الشجاعية ترحب عائلة السلك بنا، عند دخولنا البيت وقعت عيوننا على صورة معلقة تحمل 7 اطفال وجدِهم، أكبرهم 10 سنوات و أصغرهم 3 سنوات، قضوا في مجزرة سوق الشجاعية"، (استشهد فيها 17 فلسطينياً بينهم صحافي، وأصيب 160 آخرون)، بعد قصف مدفعي كثيف استهدف منطقة سوق البسطات.
بعد عام من المجزرة، تقول أم حسين السلك 64" كان الأطفال بصحبة جدهم يلهون فوق سطح المنزل، قصف سطح المنزل بصاروخ استطلاع و قتلهم جميعا دفعة واحدة ذهبوا بصحبة حبيبهم و وبقيت أبكيهم "
خسرت أم حسين الزوج و الابن والأحفاد، قلبت حياتها رأسًا على عقب، حسب تعبيرها، فمن كانوا يملؤون البيت مرح و فرح، وكانت تستند عليهم في الدنيا ذهبوا، و بقي جرح ابنها محمد يذّكرها كل صباح ومساء، بما فقدته، ولا مفر من الذكرى. تضيف" محمد خسر أطفاله كلهم في ذات اليوم وخسر ساقه، تركوا جرحًا في قلبي وهَم خسارتهم لا يفارقني".
الابنة صفية السلك، 26 عامًا، تعاني من جراح في البطن والصدر واليد لازالت تجابه آثار الإصابة، رافضةً الندب الصغيرة في طرف خدها، وقد تشوهه، فكيف إذا كانت خطوط عريضة من الجراح و مرارة الخسارة!.
تقول " كل ما نريده هو العيش بكرامة، نريد بعض الاهتمام، وتعويضًا عما فقدنا، لا نستحق الجرح الذي يدمي قلوبنا كل يوم، أضف عليها جراح الجسد التي لا طاقة لنا باحتمالهما سوية أكثر، وتتساءل في ألم: “لماذا لا نتلقى علاجًا يليق بنا؟".
محمد السلك، 34 عامًا، فقد أطفاله مرة واحدة، ولايزال يحمل الأمل في الحصول على أطفال جدد، لم يفقد مرحه وكرمه عندما طلب منى تصويره بالجوال مكان الحادث. يقول " في هذا المكان سجل موتنا صوت وصورة، رضينا بحقيقة الجرح والاعاقة ولكن من حقنا علاج مناسب، أنا ذاهب في البحر مع قوافل كسر الحصار، ربما حصلت على فرصتي في طرف جديد" يضيف:" حياتي أصبحت مختلفة ولا تشبه السابقة لا من قريب ولا من بعيد"، ." كنت سليم صرت معاق , كنت بشتغل صرت عاطل عن العمل, كان لي أطفال وذهبوا ".
تعاني رويدا الحو، 45 عامًا، من شمال قطاع غزة من إصابة في القدم الأيمن، وقدرت نسبه العجز بـ 70% خسرت المفصل والأعصاب الموجودة في أسفل القدم، لم يصبح حالها أفضل من أم حسين و صفيه فقد خسرت الكثير من التفاصيل" لون وشكل الحياة المعتاد".
تقول مستذكرة" كنت نائمة عندما شعرت بشيء ثقيل يزيح قدمي من مكانها، ثم سقط أرضًا، ثم اشتعلت النيران في ذلك الجسم المتفجر، وبدأ الدخان يملأ المكان، تضيف:" كان ابنى في ذلك الوقت يكتب على موقع التواصل الاجتماعي" فيسبوك " سماع دوى انفجار، لم يكن يعلم انها ساق امه، ثم صرخت طالبةً النجدة، و اخذوني الى المستشفى، " اعاني من عجز في القدم بنسبه 70% ، لا استطيع تحريكها".
أشياء بسيطة في الحياة تفتقدها رويدا، لم تعد موجودة منذ زمن الاصابة حتى اللحظة. تتابع " كان لي حياة في السابق، تعطلت كل الأشياء الجميلة فيها، كنت أمشي ساعات مع زوجي، وأقوم بالأعمال المنزلية، ازور كل الأصدقاء اليوم تقتصر حياتى على التنقل من كرسي الى كرسي، أصبح العكاز هو ساقي الثالثة ومعيني".
تشتاق رويدا للسجود والرتم السريع في حياتها، كل التفاصيل بدت تتحرك بشكل بطيء يفيض برتابة أرهقتها، تحتاج الى تدخل جراحي في الخارج حتى يعود ولو جزء بسيط من شكل حياتها السابق .
