ماذا ننتظر من الانتخابات البرلمانية؟
تاريخ النشر : 2015-09-06 00:17

كتب - مصطفى السعيد :

المشاهد الأولية من شبابيك أوراق الترشح للبرلمان لا توحي بقدوم برلمان من طراز جديد، بمستوي تحديات إعادة بناء الدولة، وعقب ثورتين فتحتا باب الأمل في الانعتاق من الاستبداد والفساد، للانطلاق إلي آفاق أرحب للحرية والعدالة والكرامة، بعد أن أطاحتا بكل من الحزب الوطني وجماعة الإخوان، اللذين تقاسما ساحة سياسية شديدة البؤس، وكرسا ممارسات كفيلة بوأد أي ممارسة ديمقراطية حقيقية، وجعلا من الانتخابات كلمة سيئة السمعة، مرادفة للبلطجة وشراء الأصوات، وحملات التضليل، واستخدام الدين والفساد كأهم أدوات المنافسة السياسية.

الغياب الرسمي للحزب الوطني وجماعة الإخوان كان يمكن أن يكون فرصة مواتية لتجاوز ركام الممارسات السياسية العقيمة، لتتفتح نخبة بديلة، ترتقي بالخطاب السياسي والسلوك اللائق بمرحلة جديدة، لنتخلص من نفايات التخلف والفساد معا، لكن غياب اسميهما لا يعني انتهاء أسلوب وبصمات وأتباع أي منهما.

خسرت مصر تلك الاندفاعة الجماهيرية التي أعقبت انتفاضتي يناير ويونيو، بعد أن انسحب شباب مصر الواعد من الميادين، بل من الساحة السياسية بكاملها، لتطفو علي السطح مجددا فئة مرتزقة السياسة، تتقاسم  الغنائم مع الفاسدين، الذين عادوا أكثر شراسة وإصرارا علي الانتقام من شباب أثاروا هلعهم  من مصادرة ما نهبوه، فجندوا إعلاميين وصحفيين لشن حملات ترويع ومحو لأحلام العيش والحرية والعدالة والكرامة.

كانت الفرصة مواتية لنبدأ تجربة حزبية جديدة، تولد من رحم ميادين الثورة، علي أيدي شباب شديد النقاء والحماس لإعادة بناء وطن تعرض طويلا للنهب والامتهان، واعتقدوا أن الوقت حان ليستعيده أبناؤه الذين أحبوه وضحوا من أجله، دون انتظار أي مقابل، سوي رؤية مصر أجمل وأرحب وأعدل وأكثر جدارة، لكن صفحة الثورتين جري طيهما بسرعة، لتبدأ مرحلة طمس وتشويه المعالم والمبادئ، ليعود الاستقطاب القديم بين الإرهاب والفساد.

عاشت مصر 4 سنوات استثنائية، كانت فيها الجماهير تسبق الأحزاب والنخبة، وكان الشارع يغلي بالاحتجاجات والمناقشات، وهي أجواء كانت كفيلة بأن تبلور الحركة الجماهيرية نفسها، أو أن تعيد الأحزاب القديمة هيكلتها، مستفيدة من الزخم الجماهيري، لكن لا الأحزاب تمكنت من تنظيم الجماهير، ولا الحركة الجماهيرية تبلورت في أحزاب أو جبهات، لننتهي إلي المربع صفر.

مازال لدينا إرث طويل من التمثيل البرلماني المشوه، والممارسات الشاذة، التي ليس لها مثيل في أي دولة متقدمة أو نامية، والمتمثلة في عمليات التزوير، أو شراء أصوات الفقراء والجهلة، والاحتكام إلي المال السياسي ونفوذ المرشح وعائلته أو علاقاته بالأجهزة التنفيذية.

تجري الانتخابات في ظل سيطرة طبقة من رجال الأعمال جري تربيتهم في منافذ تهريب السلع الأجنبية في بورسعيد، أو تحت ركام شركات القطاع العام، التي تم نهبها بالعمولات وعمليات التلاعب في الخامات والآلات والمنتجات، ليحولوها إلي أكوام من الخردة، ويشتروها بسعر التراب. وهي فئة لا تمت بصلة لعصر طلعت حرب، وانما تنتمي لعصر الانفتاح والتجارة في السلع الفاسدة.

تجري الانتخابات في غياب نخبة سياسية واعية بالمهام والمخاطر المحدقة بمصر، ومؤمنة بحقوق الشعب في العدالة والنزاهة والكرامة والحرية، ومعظم النخبة السياسية القديمة لا تختلف كثيرا في فسادها عن باقي قطاعات الدولة، بل كانت بؤرة الفساد ومركز انتاجه وتوزيعه، فالرأس الفاسد هو أخطر الأعضاء، وتحتاج عملية تجديد وتطهير النخبة السياسية الكثير من الوقت، ومناخ مناسب لتفريخها، وهو ما يجعلنا نستمر في الاعتماد علي المنتج المشوه لعمليات التجريف الواسعة، التي طالت كل القطاعات.

إذا كانت الأحزاب القديمة قد ولدت مشوهة، وشاخت بسرعة، سواء بفعل محاصرة السلطات لنشاطها، أو بالصراعات والانقسامات داخلها، وتحولها إلي توابع للحزب الحاكم، فإن الأحزاب الجديدة، التي ظهرت بعد الثورة، وتجاوزت التسعين حزبا، معظمها بلا معالم، وليس لديها المقومات الضرورية لخوض العمل السياسي، ومعظمها يقودها طامحون إلي المكاسب الشخصية، أو أن يكونوا بديلا للحزب الوطني .