غزة- خاص نوى- ميرفت أبو جامع :
وداد قديح و12 سيدة من خزاعة لم يبالين بحرارة آب، وشمسه الحارقة، التي تحجبها قطعة من القماش تحيط جدران مؤسسة مسقوفة حديثاً بالزينكو، تؤكد وداد أن ما في قلبها أشد حرارة وأسى، مما تشعر به في ظل مناخ كانت حرارته استثنائية هذا العام.
التحقت وداد أخيرًا بمشروع "مشغل خياطة" لدعم النساء المهدّمة بيوتهن والمتضررات من العدوان الأخير في خزاعة شرق خان يونس جنوب قطاع غزة.
لم يكن هذا كل شيء، فقلب أم محمد مُشبع بالوجع على استشهاد اثنين من أبنائها، قتلتهم إسرائيل في عدوانها الذي مرت ذكراه السنوية الأولى قبل أيام.
"كان نفسي أتعلم خياطة من زمان، انشغالي ببيتي الكبير ورعاية أسرتي حال دون ذلك، أما اليوم الظروف اختلفت راح البيت وراحوا الأولاد وأصبح لدي الكثير من وقت الفراغ"، تقول وداد بعيون ذابلة.
تمرر مقص صغير على قطعة زي مدرسي "مريول"، وتقصقص بواقي الخيوطـ، فيما يسمى بـ"تنظيف القطعة"، تضيف "أنا سعيدة بمنحي هذه الفرصة، فوضعنا سيء، ونسكن في بيت بالإيجار مؤقتاً حتى يعيدوا اعمار بيتي المدمر، وأشغل نفسي مع النساء، ما يهون عليّ ويخفف من آلامي".
عندما تعيد وداد سرد ذكريات بيتها الكبير، تلمع عيونها المنطفئة من الوجع "بيتي مساحته 400 متراً مربعاً، كان لي حوش كبير، زرعت فيه كل شيء، زيتون، ليمون... اليوم يا دوب بأعمل شغلي في بيت مش ملكي"، ثم تنحسر دموعها.
على ماكنة موصولة بالكهرباء، تمسك ليلى أبو ريدة، 52 عاماً، من خزاعة، بقطعة قماش وبيدها الأخرى تدّور عجلة الماكنة، تطلق عليها "الحبكة"، وهو تخصصها الذي تُجِيد العمل عليه، بعد أن تعلمته حديثاً، كان تعلّم الحياكة إحدى أمنياتها، لكن انشغالها بأولادها وبأعباء البيت حال دون تعلمها، تقول "اليوم أصبح لدي وقت فراغ كبير، غير أن وضعي المادي يسوء خاصة بعد وفاة زوجي قبل عام، وتكفلي برعاية أسرتي، ومستحقات الشؤون التي تأتي كل 3 شهور لا تكفي لسداد ديوني المتراكمة".
مؤخرًا التفتت المؤسسات الدولية للمنطقة المدّمرة، وبعد دراسة احتياجات النساء، تبين أنهن بحاجة إلى مشغل يتعلمن فيه فنون الحياكة، ويعملن على توفير دخل ثابت لأسرهن.
تبدأ صباح القرا مديرة مؤسسة بيت المستقبل بخزاعة حديثها بمقولة "علمني كيف اصطاد ولا تعطيني سمكة!"، وتضيف "هذا ما تحتاجه نساء خزاعة، لا مساعدات أو معونات موسمية، هُنّ يُردن أن يصنعن الحياة، بالاعتماد على أنفسهن وعملهن، كي يدرّ عليهن الدخل، فحال أسرهن سيئة جداً".
وتكمل "المشروع يهدف إلى تحسين سبل المعيشة المستدامة لهؤلاء النساء وأسرهن"، وتشير إلى أن المشروع يستهدف 12 أسرة وضعها الاقتصادي صعب، حيث تقوم النساء بحياكة أزياء مدرسية يتم توزيعها على مدارس خزاعة للطلبة ذوي الظروف المادية الصعبة.
المشغل الذي تموله المفوضية الأوروبية للشؤون الإنسانية،" الإيكو" ومؤسسة "مسلم كير" الدوليتين، تنفذه مؤسسة الإسعاف الأولي للمساعدات الطبية الدولية، يستهدف 48 سيدة من المتضررات في العدوان الاخير في 4 مناطق (عبسان، خزاعة، الشوكة، الفخاري). بحسب أمل زقوت منسقة المشروع بمؤسسة الإسعاف الأولي للمساعدات الطبية الدولية.
توضح زقوت ان الهدف من المشروع خلق فرص تدريب وعمل لهؤلاء السيدات اللواتي فقدن مصدر دخلهن في العدوان، ، بعد تعلم مهارات الحياكة، مشيرة أنه يأتي في إطار جهود المؤسسة لتحسين واقع النساء في المناطق الريفية المهمشة، وتقديم الدعم لهن كي يستطعن الاعتماد على أنفسهن، وفتح مشاريع خاصة بهن. مشيرةً انه سيتم انتاج نحو 1200 زي مدرسي وتوزيعها على الطلاب الفقراء بالمدارس في المناطق.
بالعودة لهؤلاء النساء فإن ما يشغل بالهن ليس الحر الشديد أو العرق المتصبب من أجسادهن، لا تشفه المروحة التي بالكاد تدخل الهواء على صدورهن، وانما حرارة الفقر، والحاجة الى استمرار مثل هذه المشاريع، بل إن المشروع عبارة عن فرصة مرة واحدة، وهنّ يحتجن فرصة عمل طويلة المدى: تقول امل النجار "هذه الفرص الموسمية تساعدنا، ولكنها لا تُبقِى استقرار لحياتنا للأبد"، "لم احب الخياطة يومًا ولكن مضطرة للعمل من اجل اسرتي، لدي شباب بحاجة الى زواج وتكاليف الحياة غالية، بعد ان فقدت مصدر دخلي من اشجار الزيتون وتربية الدواجن والطيور بسبب العدوان".
تعمل أمل على ماكنة "الدرذة" بعد ان عملت لفترة في تنظيف القطع المخِيطة، وتشطيبها، ولديها تصميم على تعلم بقية فنون الخياطة،" تعلمت مهارة جديدة، ولدي أمل في أن استمر" .
اما أم عبد الله،58 عامًا، فهي خياطة، كل الحي يعرفها، لديها تجربة كبيرة، إلا ان مصدر رزقها، قد ذهب تحت البيت الذي قصف جزء كبير منه، مع قطع قماش للجارات، تقول" ما قصدت ان ابتعد يومًا عن المهنة التي اكلت منها خبزا على مدار 30 عاما وانا اساعد زوجي، الا ان العدوان دمر لي غرفة كانت تشكل مشغل لي، عندما اتصلوا بي للعمل فرحت كثيرا، سأعود اخيرا الى الماكنة والمقص ورائحة القماش".
ام عبد الله لديها 6 أبناء وبنات، تعيش في كرفانة بجوار بيتها، تشكو من الحر الشديد، وضيق المكان، والملل الذي تعيشه، بعد أن احترق في العدوان ما كان يشغلها" عملها في الحياكة، تربية الطيور، تلقيط اشجار الزيتون، وحبات الليمون".
وتأمل أم عبد الله وزميلاتها أن يستمر المشروع، ويكون مساحة لإنتاجهن، وتحسين أوضاعهن الاقتصادية الصعبة، ما يغنيهن عن الحاجة والسؤال".
تقول القرا "المشروع سينتهي بنهاية الشهر، لكننا سنواصل دعم هؤلاء النسوة ونستهدف اخريات، لتعلم الحياكة"، وخلق فرص عمل لهن".
وفيما لو استمر المشروع فإنهن يقّرن انه سيحقق نجاحًا، لاسيما ان هناك توجه كبير لدى النساء نحو الخياطة، بعد ارتفاع اسعار الملابس الجاهزة، في المحلات التجارية، تقول ام عبد الله" كنت راضية عن دخلي من الخياطة غير انه يشغل وقتي، أمل ان يستمر المشروع لحاجتنا جميعًا لذلك".
