غزة- خاص نوى- مي أبو حسنين:
"سنجعلك أجمل من ملكة جمال (إسرائيل) في ذلك الوقت "سيرين حداد"، أو حتى أجمل من مغنية عربية لديكم، لكن ضعي يدك في أيدينا" هذه العبارات التي كانت تردد على وفاء البس فترة اعتقالها، باستمرار لمساومتها على العلاج.
ترفض البس من سكان شمال قطاع غزة، محاولات مساومتها، وتبقى تعاني من حروق درجة ثالثة، صاحبتها منذ لحظة اعتقالها عام 2005، والإفراج عنها بعد 7سنوات ونصف في صفقة الأحرار في 18/10/2011 ، وحتى اليوم، والإهمال المتعمد من الاحتلال الإسرائيلي فأقم معاناتها.
تقول البس التي تزوجت بعد الأسر ورزقت بطفلين بحرقة " بعد خروجي من الأسر، تلقيت آلاف الوعود لعلاجي لكن لا أحد، جدي في التخفيف من معاناتي". تضيف "يوميا أحاول التواصل مع الرئيس لعلاجي لكن لا حياة لمن تنادي". تتابع "أنا ناضلت لأجل شعبي، وأبسط تكريم لي هو علاجي من حروق أدمت جسدي وقلبي".
في سن مبكرة التحقت البس،( 29)عامًا، بصفوف المقاومة، للانتقام لدماء الشهداء، فتوجهت يوم 20-6-2005، إلى حاجز بيت حانون "إيرز"، فينفجر الحزام الناسف بها خلال تنفيذها للعملية الاستشهادية، ويشيء القدر ألا تستشهد وتقع أسيرة لمدة 7 سنوات ثم يفرج عنها.
نقطة... تحول

تقول "العالم كله رأي مشهد استشهاد محمد الدرة، لكن الأمر اختلف معي، قررت الانتقام له"، هذه شكلت نقطة التحول في حياتها من مواطنة غزية عادية، إلى "مناضلة تحب فلسطين".
تقول البس "ترعرعت في أسرة بسيطة مكونة من (7) أخوات، و(3) إخوة، تتفاعل وتشارك في العمل الجماهيري، أثناء الانتفاضة الثانية". تتابع "والدي كان حريص على اصطحابي، إلي كافة المسيرات، ومواكب تشيع الشهداء، وزيارة بيوت الأسرى والجرحى".
"وفاء إنت معتقلة"، تبوح "البس" لـ"نوى"، بالكلمات التي نادت بها "ضابطة التنسيق"، عليها مجرد وقوفها على البوابة.
تروي البس كيف كانت هذه لحظات حاسمة قررت الشهادة على أن تسلم نفسها، فحاولت تنفيذ العملية، لكن الاحتلال أحبطها، وقد احترق جسدها من الكتف حتى القدم، لتمكث 3 شهور في المستشفي، والمحققين لا يغادرون غرفتها.
بآسي تستذكر فترة التحقيق التي استمرت 3 شهور في مركز "بتحتكفا "، تلقت خلالها تهديدات بالاغتصاب، ثم حكم عليها بالسجن لمدة 12 عاما.
" استقبلتني الأسيرة آمنة منى، وقاهرة السعدي، في سجن "هشارون"، وكن بمثابة أمهات لي وحرصن على توعيتي ودعمي" هكذا تشرح البس دور الأسيرات في دعمها.
الزنزانة رقم (9) ....قبر

بدموع تشي عن حرقة سنين العزل الإنفرادي تقول البس " عامان متصلان في العزل الانفرادي تتفوق علي سنين الأسر كلها بالألم الذي يفوق الوصف".
تستعرض البس يوميات العزل الانفرادي قائلة "في أحد الأيام سألت السجانة هل الدنيا ليل أم نهار، أجابت بفظاظة "إسئلي ربك".
تضيف "في العزل الانفرادي، لا شمس ولا هواء، ولا أحد، كنت أتمني وجود أي مخلوق لو حشرة على الأرض لأحدثها".
قضت البس عامان متصلان في العزل الانفرادي، في سجن الرملة، الذي ناشد كافة المحامين بضرورة إغلاقه لوحشية التعذيب به فهو صورة طبق الأصل لمعتقل غوانتانامو الأمريكي سيء السمعة.
بدهشة لا تفارقها حتى اليوم تقول "البس" عن الزنزانة التي قضت بها سنين العزل "الغرفة 9، هذه غرفتك، التي تساوي عند الأسرى (القبر)".
محنة العزل الانفرادي، قادت "البس" إلى منحة ربانية ألهمتها لتخطي دروب زنزانة رمادية اللون، تحيطها الجدران من كل جنب، وتحيطها الأسلاك من كل صوب عبر الإضراب المفتوح عن الطعام
عن تجربة الإضراب تقول "البس"، "إضرابي الأول كان لمدة أسبوع، ونجحت فيه، وتحقق مطلبي بالحصول على سلاح يؤنسني في وحدتي، أنه "القران الكريم".
تتابع البس" هذا النجاح حفزني، للاستمرار وخضت إضراب ثان لمدة 3 أسابيع، حصلت على راديو لأسمع صوت أمي".
تتوقف بتنهيدة حزينة " السجانة حسدتني على فرحتي بسماع صوت أمي عبر الأثير، وقاموا بمصادرة الراديو في اليوم التالي".
تنوه البس إلى أن الاحتلال في حالة حرب نفسية باستمرار مع أسري العزل الانفرادي بالمساومة على كل مكتسب .
تكشف البس أن وجود السجينات الجنائيات، أدى إلى تفاقم معاناتها بنسج الحيل اليومية لتخلص منها.
"في إحدى المرات، كن يتهامسن بالقول سنقوم بخنقها بحبل التلفاز، مما حرمني النوم" تقول "البس" عن معاناتها بوجودهن.
تؤكد "البس" مدي قذارة المكان الذي يتواجد به السجينات الجنائيات، بممارسة أعمال خارجة لهزيمة الأسيرة بأي وسيلة كانت.
خرجت البس من عزل امتد لعامين كاملين، بفضل مساندة الأسيرات لها عبر الإضراب عن الطعام، فعادت من جديد إلى حضن أخواتها الأسيرات.
حبة الأكامول
في السجن أي مرض كان، العلاج السحري له وفقا للاحتلال هو " حبة الأكامول"، مما ضاعف من قسوة المرض.
تقول وفاء" بعد خروجي من العزل عانيت من ألم في أحد أصابعي، الذي تكونت فيه دمل، مما جعلني أفارق النوم".
"مكبلة اليدين بسلاسل، تمتد حتى قدمي، وتم اقتيادي بسلسلة إلى الأمام "ككلب"، إلى مشفى "تل شومير " بتل أبيب، أما أعين المارة " هكذا تصف البس مشهد ذهابها للمشفى.
وتتابع البس "الاحتلال يعمد إلى إذلال الأسير أما الجمهور الإسرائيلي، لإشباع رغبته في الانتقام منا"
بألم تستذكر "البس" تفاصيل العملية "بعد العملية التي أجريت بعد شهرين من معاناتي، تم إهمالي، رغم نداءاتي المستمرة،"
بعد سبع سنوات من الأسر، تم إدراج اسم "البس" ضمن الأسماء المفرج عنها في الدفعة الأولى من صفقة شاليط التي تمت في منتصف شهر أكتوبر 2011.
"البس" نموذج، لآلاف نماذج من مناضلات ومناضلين، ذهبت نضالتهم، أدراج النسيان، أمام انشغال الكل الوطني بقضايا هامشية، بعيدة كل البعد عن الهدف الأسمى، وهو دعم صمود أناس ضحت بزهرة شبابها لأجل الوطن مما يؤكد أن جرس الإنذار لا بد من طرقة قبل فوات الآوان.
