بقلم – زكريا محمد :
من جديد أعيد اكتشاف غسان كنفاني وروايته (رجال في الشمس)، بعد رعب حادثة السبعبن في الشاحنة- الثلاجة في النمسا.
غير أن المشكلة تكمن في ما يلي: ليس ممكنا هنا استعادة صرخة أبي الخيزران في الرواية: "لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟". الوضع لا يصلح بتاتا لاستعادتها. فالناس كانت قد دقت بالفعل جدران الخزان. دقته دقات عنيفة في ما يسمى بالربيع العربي، لتكتشف أن الدق لا ينفع. بل لتكتشف أن دقاتها أدت إلى توسيع الخزان كي يشمل المنطقة كلها. المنطقة كلها تختنق الآن في الخزان.
يا لسوء حظ غسان كنفاني. يا لسوء حظ صرخته. فتلك الصرخة كانت في الواقع صرخة غسان لا صرخة أبي الخيزران. لكن غسان اضطر لوضعها على لسان أبي الخيزران لأن الصحراء كانت خاوية، ويسيطر عليها الموت. لم يكن هناك من فم ليطلق الصرخة سوى فم أبي الخيزران.
لقد استمع الناس لنصيحة غسان، ودقوا الجدران. دقوها كما لم يحصل من قبل. لكن الربيع العربي حول دقاتهم إلى جحيم خليجي- تركي، جرى فيه توسيع الخزان كي يشمل جغرافيا المنطقة كلها. المنطقة كلها تحولت إلى خزان رهيب للموت. خزان لا مثيل.
يخيل لي أن خنقى الثلاجة كانوا يصرخون: لماذا قرعنا جدران الخزان؟ لماذا؟ ليتنا ما قرعناها.
دقاتهم في الربيع العربي هي التي أرسلتهم كي يختنقوا في الثلاجة.
