الشجرة لا تقتل الشجرة
تاريخ النشر : 2015-08-31 05:14

صيف 2007 حل محمود درويش ضيفا على "امسيات ستروغا الشعرية" في مقدونيا،  المهرجان الأعرق والأقدم في العالم، كان ذلك آخر مهرجان شعري يشارك فيه قبل أمسيته الفرنسية التي أحياها وهو في طريقه الى "هيوستن"، يحبون هنا أن يتذكروا ذلك، انه كان هنا في ذلك الصيف الأخير بعد أن توّجه المهرجان بجائزته الثمينة "الإكليل الذهبي" التي تمنح سنويا لشاعر مؤثر من العالم.
 من تقاليد الجائزة أن يزرع حامل الإكليل شجرة في " حديقة الشعراء " حيث توضع على الأرض لوحة برونزية تحمل اسم الشاعر وتاريخ حصوله على الجائزة،  هناك، في الحديقة، ترتفع الآن  50 شجرة تحمل أسماء الشعراء من "بابلو نيرودا "  في تشيلي حتى "بي داو"  في الصين مرورا بالأميركي "غينسبرغ " والسوري "أدونيس" والروسي  "يفتشنكو" الى السويدي" ترانسترومر".
في المؤتمر الصحافي الذي اعقب الاحتفال في الحديقة سأل أحد الصحفيين محمود درويش، يقول  الشاعر والمترجم المقدوني "نيكولا ماردزيروف": 
كيف تشعر وأنت تزرع شجرة غير بعيد عن شجرة تحمل اسم الشاعر الإسرائيلي "ايهودا عميخاي"؟
أجاب محمود:
لست قلقا من ذلك، الشجرة لا تقتل شجرة...
اكثر من مرة استمعت لهذه الرواية بصيغ مختلفة ومن اشخاص مختلفين، "مازديروف" كان شاهدا على الحكاية التي اتخذت شكل الحادثة فيما بعد، ولكنها احتفظت جميعها، الروايات،  بنفس النهاية الحاسمة:
. الشجرة لا تقتل شجرة.
احد اهدافي هنا، اضافة للمشاركة في البرنامج، هو زيارة الحديقة وشجرة محمود على وجه الخصوص، تلك هي رغبتي ونصيحة فاروق مردم بيك المحمولة الي عبر العالم الافتراضي، كذلك البحث عن ارشيف محمود درويش الفلمي والمطبوع، والحصول على نسخة منه لتضاف الى مقتنيات المتحف في رام الله، وهو ما اتفقت حوله مع مدير المهرجان في ستروغا، ولكن حكاية الشجرة تبدو وكأنها اصبحت جزءا من مقتنيات المكان وتراثه، حكاية تنتظرك خلف مدخل الفندق لتتأبط ذراعك وتنتحي بك جانبا وتبدأ بسرد الذي جرى في ذلك المؤتمر الصحافي بدهشة، ثم لتنتهي بالجملة التي رغم بساطتها تواصل حمل ألغازها:
الشجرة لا تقتل شجرة.
 الفندق الضخم  المبني على شكل نصف دائرة هائلة على شاطىء البحيرة، يذكر بتلك الفنادق "الاشتراكية" التي يمكن ان تعثر عليها في موسكو او صوفيا في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، أماكن هائلة للإيواء واستيعاب اكبر عدد ممكن من الوفود، "وفود" الأحزاب والقوى والرفاق والأصدقاء ومنظمات "السلام" والعالم الثالث في ذلك الحين، مع خدمات جماعية يصعب تصنيفها أو التذمر منها،  والتي استبدلت الآن بشكل كلي بمجموعات سياحية لا تشبه تلك "الوفود"، مثل مجموعة السواح الألمان المتقاعدين، لا شك انهم قد انهوا سنوات خدمتهم، الذين يتجولون ببطء وهدوء على شاطىء البحيرة، ويتأملون عائلة البجع البيضاء التي تسبح قريبا من دغل قصب تطاول فوق سطح البحيرة.
هذا العام في الدورة 54 يستضيف المهرجان الشاعر العربي السوري "أدونيس" الذي افتتح القراءات الشعرية بكلمة قرأها بالفرنسية، أما الإكليل الذهبي فقد منح للشاعر الصيني "بي داو" أحد مرشحي نوبل السويدية، رافقه الشعراء الى الحديقة حيث اضاف شجرة جديدة يانعة وقرأ قصيدة على مسمعها، في حفل التكريم سيهدي الجائزة للسويدي الراحل "ترانسترومر" الذي التقاه في ستروغا صيف 2003، وفي كلمته في الحفل سيقتبس" بول سيلان " وسيختار قصيدته حول "رام الله" للقراءة، القصيدة التي كتبها اثر زيارته للمدينة ولدرويش ضمن وفد عرف بوفد نوبل عام 2002، والذي ضم في حينه "ساراماغو" و" سوينكا " وبرايتن باخ."
"بي داو" الذي حمل معه الى منصة التكريم ثلاثة شعراء قرأ قصيدة لابنته التي ترافقه في رحلته، الشاعر بنحافته وتمهله يبدو ،  ملائما تماما للاحتفاظ بذلك الاكليل،  كما لو ان تلك الجائزة كانت بانتظاره هنا منذ اللحظة التي كتب فيها قصيدته الأولى.