كتب – مصطفى السعيد :
لم تكن مصر ضمن القائمة الأولى للدول العربية المرشحة للتقسيم، لكنها كانت ضمن " قائمة التهشيم"، التي خرجنا منها بفضل ثورة 30 يونيو وصمود الجيش السوري، وإلا كانت جماعة الإخوان استقدمت عشرات آلاف الدواعش من سوريا إلى المدن المصرية، بجسور جوية وبحرية، لتحويل ميادينها إلى ساحات للذبح.
وهناك علامات قوية عن قرب سقوط مؤامرة التقسيم، آخرها تنبعث من العاصمة الروسية، التي شهدت طوال الأيام الماضية أطول ماراثون من المباحثات حول مستقبل المنطقة، حضرته الأطراف العربية المتناحرة، والتي كان من شأن فشلها في التوصل إلى حل يوقف نزيف الدم والدمار أن يمتد الهلاك إلى الجميع، من الضحايا إلى الجناة، وألا يترك صغيرة أو كبيرة في منطقتنا الملتهبة إلا وقد تشققت من لهيب المعارك المرشحة لمزيد من الاتساع والسخونة.
الواقع على الأرض جاءت منه بشائر جدية على ترنح مشروع التقسيم، فالعراق رفض باستماتة كل المحاولات الأمريكية لإنشاء جيش للمسلمين السنة، يحمل اسم "الحرس الوطني"، وتمكنت القيادة العراقية من تخفيف حدة الإحتقان المذهبي بين المسلمين الشيعة والسنة، الذي كان يستفيد منه ويؤججه دعاة التقسيم، لتأتي الضربة العراقية التالية لتضرب الفاسدين، الذين كانوا يستبيحون كل شيء، حتى مصير الأوطان ودماء الجنود والمدنيين والأرض، ويشاركون في التآمر مع العدوان مقابل المال، مثلما حدث عندما جرى تسريح الجنود العراقيين من معسكراتهم قبل هجوم داعش على محافظات شمال وغرب العراق، لتسهيل استيلائهم على المدن العراقية ولهذا جرى إقالة ثم إحالة كثير من المسؤولين العسكريين والمدنيين إلى القضاء، في إشارة جادة على مواجهة الفساد المتواطئ مع الخيانة.
ويأتي انتصار الجيش السوري في الزبداني، التي كانت الجسر الأهم لعبور المرتزقة من لبنان إلى وسط وجنوب سوريا، والتي كشفت مشاركة ضباط وجنود أجانب في معاركها حول دمشق، لتؤكد أن مؤامرة التقسيم لم تكن نابعة من سوريا وشعبها، وإنما جرى التخطيط لها بدقة ودأب من الخارج طوال سنوات، لتكون سوريا بوابة التقسيم العربي، وتتسع منها التشققات والصدوع لتصيب باقي الدول المحيطة والقريبة، وتنفجر الشظايا لتؤجج الأحقاد الطائفية والمذهبية والعرقية لتصيب جميع المنطقة، خاصة أن سوريا تضم عشرات الأقليات الدينية والعرقية، التي يمكن أن تحمل فيروس التقسيم.
مازال الشمال السوري مهدد بالاقتطاع والإحتلال من جانب جماعات إرهابية مدعومة من الجيش التركي، لكن المجرم أردوغان يحارب معركته الأخيرة مع الشعب التركي، صارخا بشعار "إما أنا أو الفوضى" مهددا شعبه وبلده بالحرق، لو لم ينصبوه ديكتاتورا عليهم، بينما نيران الحرب الأهلية تمتد من ديار بكر في الشرق إلى اسطنبول في الغرب، بينما الجيش السوري المدعوم بآلاف من عناصر حزب الله اللبناني يبدأ التوجه نحو الشمال لملاقاة مرتزقة أردوغان، بعد أن اقترب تحقيق إنجاز التخلص من الخطر الذي ظل محدقا بالعاصمة دمشق طوال أربع سنوات، في الوقت الذي وصلت فيه أحدث الأسلحة الروسية إلى سوريا، من طائرات الميج إلى صواريخ الكورنيت المدمرة لأعتى الدروع.
أما المؤشر الأهم فيأتي من السعودية، والتي اعتادت إطلاق التصريحات النارية تجاه كل من العراق وسوريا، فقد خفتت لهجتها تماما تجاه العراق، واقتربت من درجة الهمس، وإن كانت النبرة لا تزال عالية تجاه سوريا، لكنها نبرة كل مفاوض قبل جلوسه على مائدة المفاوضات، مستدعيا أعلى سقف لصوته، لكنه سرعان ما يهدأ ليستمع ويتحاور، خاصة أن لهيب المعارك قد امتد إلى جيزان ونجران وعسير في الجنوب الغربي من المملكة، والسيارات المفخخة في أقصى الشرق، وباتت تدرك أن انتقال المعارك إلى أراضيها لم يكن نوعا من التهويل أو التحذيرات الجوفاء، بل حقيقة تهز أصوات انفجاراتها أركان المملكة.
ورغم استمرار الخلافات العربية حول ليبيا، والتي عرقلت جهود مصر في مد يد العون للشعب الليبي، ليواجه عصابات داعش، إلا أن الأصوات المعارضة للمبادرة المصرية كانت أضعف كثيرا خلال اجتماع ممثلي الجامعة العربية الأسبوع الماضي، وأكثر خجلا مما كان قبل شهور قليلة، لتتمكن مصر من دفع الباب الموصد على الشعب الليبي ولو قليلا، لتساعد في التصدي لجهود أمراء التآمر والتقسيم، وتبدأ قبائل ليبيا في لم الشمل، لتخطو نحو التحرر من كوابيس مشروع التقسيم.
