بين غسان كنفاني ومرمرة
تاريخ النشر : 2015-08-26 02:02

غزة- ميرفت ابو جامع

عندما بدأت الدخول في المرحلة الثانوية القسم العلمي، كان والدي يتاجر من غزة إلى جمهورية مصر العربية؛ ولأننا كنا ندرس المنهاج المصري، طلبت من والدي أن  يجلب لي المراجع وكتب الشروحات للمنهاج من هناك، وعلى الهامش كتبت له في ورقة رواية غسان كنفاني "رجال في الشمس"، سمعت عنها في تلك الفترة، وتشجعت لقراءتها، وكانت الكتب محدودة الوصول إلى مكتبات غزة، خاصة أنني أعيش في بلدة أقصى جنوب قطاع غزة، بعيدةً عن المناطق المركزية، التي لم أكن اعرف عنها شيئًا، لا بحدودها الزمانية ولا الجغرافية بفعل الاحتلال وحواجزه وهواجس الرهبة لدى الأهل من التنقل إبان فترة الانتفاضة خاصة للبنات آنذاك.

المهم، كنت شغوفة بقراءة روايات غسان، لدرجة احتفظ بمعظم رواياته في مكتبتي الصغيرة، بل وأحفظها بأبطالها عن ظهر قلب" أرض البرتقال الحزين، وأم سعد، والقميص المسروق وقصص أخرى، وعالم ليس لنا وما تبقى لكم، وموت سرير رقم 12، وعائد إلى حيفا، والحركة الصهيونية.

في الحقيقة، تربيت على مدرسة غسان الإنسانية والإحساس المفرط بالهوية وبأحلام الكادحين واللاجئين والمشردين، تأثرت بكتاباته كثيرًا، فكلنا يعرف المدرسة الإنسانية  والنضالية التي ينتمي إليها غسان بغض النظر عن أي انتماءات أخرى، السياسية وغيرها. وأنا لست منتمية لفصيل ما، ولو قُدر لغسان أن يعيش حتى وقتنا هذا لأثرى المكتبة الفلسطينية والعربية بكتاباته عن عذاباتنا وكان صوت الحق فينا. وخير من دافع عن أحلام العمال والطلاب والكادحين والمهجرين، ومن انتقد تجار القضية والقيادات العاجزة حتى يومنا هذا، المتمثلة في أبو خيزران. وانتصر لأم سعد، ولأحلام سعد، ومروان ،وأبو القيس الرجال الذين ماتوا، بسبب عجزهم وعجز القيادة في أن يطرقوا باب الخزان، وهو الذي حدّثنا عن حيفا، وقصة سعيد الذي فقد ابنه الرضيع في النكبة، والتغريبة الفلسطينية بعيدًا عن تمجيد القيادة.

أثناء عودة والدي من تجارته، احتجزه الجنود الإسرائيليين على معبر رفح، حيث كان وقتها يخضع قطاع غزة بالكامل للإدارة المدنية الإسرائيلية، ويسيطر الإسرائيليون على المعبر قبل عودة السلطة الفلسطينية والقيادة إلى قطاع غزة بعد اتفاق أوسلو، بينما يسيطر المصريون على الجانب المصري بالكامل. لم يكن احتجازه هذه المرة، بسبب تجارته أو لفرض الضرائب كالعادة أو تفتيشها، أتعلمون لماذا ؟ وقالها لي والدي فيما بعد: لكتاب "رجال في الشمس" لغسان كنفاني الذي اغتاله جهاز المخابرات الإسرائيلية في 8 يوليو 1972، في عمر 36 عاما، بتفجير سيارته في العاصمة اللبنانية بيروت" يا الله! ليس لعبوة ناسفة وجدت في تجارة والدي. أو هكذا خُيل لهؤلاء الجنود، لماذا غسان الذي اغتالوه لا يزال يرعبهم حتى بعد مرور أكثرمن 20 عامًا على غيابه؟!

عندما عاد والدي يقص علي القصة، وقد كان ضجرأ مما حدث معه، وهو الأمي الذي لا يعرف القراءة والكتابة، ولا يعرف من هو غسان حتى ما اسم الكتاب؟، بل قال" أحاطني الجنود من كل ناحية، وخفت كثيرًا، وتساءلت: ما هذه القنبلة التي أوصت بها ابنتي فجلبتها لها؟!. أخفيت ابتسامتي خوفًا من أن استفز أعصابه، والحقيقة أني لم اعرف عن الكتاب شيئًا، فزاد فضولي أكثر كي اعرفه، وللأسف صادر الجنود الكتاب مع هدية كانت أرسلتها لي صديقتي المقيمة في مصر ازعجت الجنود.

حزنت كثيرا، ولكن ضل فضولي أن أقرأ الكتاب يكبر معي، وسألت عليه في مكتبة مدرستي الخنساء الثانوية، وهي بائسة وعبارة عن بعض كتب قديمة ومهملة في مخزن مدرسي صغير، مسئول عنها مدرس اللغة العربية، أحب عليه أن يتحدث عن قصص الزواج الأول والثاني، والهرج والمرج، لا أن يتحدث عن رواية لغسان مثًلا.

ضلت الرواية في بالي حتى حصلت عليها بعد سنوات من احد المكتبات وقرأتها، ولا ازال احتفظ بها في مكتبتي.

غسان الذي أرعب الجنود كتابه، هم يعرفونه أكثر منا، هم يخافونه أكثر منا، لأنه كتب عن قبحهم، عن معاناتنا، عن اللاجئين وكرت التموين عن الخيانات الوطنية والعربية، عن الجنرالات ورجال التشرد واللجوء، عن حيفا وبرتقالنا الحزين.

مَن أحقُ أن يخلدَ في الذاكرة، ليس في مدرسة في أقصى جنوب قطاع غزة، لم نسمع بها إلا إلى حين قررت وزارة التربية والتعليم في غزة تغيير اسمها الذي يحمل اسم " غسان كنفاني"، أو شقها إلى نصفين" أ، وب، واعطاء اوسمة وشهادات شكر على حساب رموزنا الوطنية، ليس هذا فحسب بل استكثرنا عليه أن يُخلد اسمها، فتقاسمناها من الذاكرة و مدينة تركية، كلما ذكرناها ذكرنا رفاهية المكان. وذكرناها في سياق التاريخ المرتبط بسفينة " مرمرة" التي أبحرت إلينا، واحتجزت وقُتل بعض من فيها ليس استهانة بهذه الجهود، ولكن هذا المرور العابر لن ينسينا أم سعد أو أبو الخيزران ولا حكاية سعيد وأبطال غسان.

لا يا سادة! إن تاريخنا وهويتنا الثقافية أحقُ أن تُخَلّد ليس في مدرسة فحسب، وإنما في منهاج تعليمي يجب أن يعرف الأجيال من هو غسان كنفاني؟ ولماذا اغتالته المخابرات الإسرائيلية؟ وماذا قدم للأدب الفلسطيني، يجب أن تقرؤوا أنتم رواياته؛ كي تروا صوركم فيها، ثم تدرسونها في مدارسكم، لا أن تشطبوها، لأنه ليس من لونكم أو لأنكم تجيدون فن المجاملات أكثر من القراءة، بالطبع لن نتجّمل او نُجَامل من ساعدنا، أو تضامن معنا، أضعف الإيمان، على حساب هويتنا وثقافتنا التي لا نملك سواها.