غزة-نوى-مشيرة جمال:
وأنت في طريقك للتنزه على كورنيش البحر من بين كل الباعة المصطفين على جانب الطريق الأيسر محمّلين بالفواكه والخضار بما لذ وطاب يشق قلبك سلام ودفىء ذلك الرجل الواقف برفق تحرقة الشمس ويظلل ورود الزنبق التي يبيعها لئلا يخدش شعاع الشمس أوراقها، لا يناديك ولا يطلب منك الشراء على غير عادة الباعة المتجولين، صامت هادئ؛ حالة مميزة خلف سعيد بائع الزنبق والمحبة قصة ثلاث زنابق ذابلات مترنحات بلا أى رعاية أو إهتمام من قبل الجهات المختصة.
سعيد شملخ 53 عام من منطقة الشيخ عجلين أب لولدين و ثلاث بنات من ذوي الإعاقة الذهنية، يعمل في موسم الزنبق على جمعه من الأراضى المجاورة لمنزلة وبيعة في شارع الشيخ عجلين أصبح سعيد علامة مسجلة في شارع الكورنيش لزهرة الزنبق، فارتبط اسمه بها، عندما سألنا الجيران عن أي منزل لسعيد بادرنا طفل " بائع الزنبق؛ ذلك المنزل ذو الواجهة البيضاء".
خلف باقات الورد
لا ينافس الخمسيني شملخ على هذه المهنة الموسمية سوى بعض الأطفال بدأ قصته برواية الورد.
قال :"أعرف الزنبق منذ صغري كان مجرد زهرة تنبت في محيط منزلنا، كنت عامل بناء ولكن حال البلد تغير اليوم، و لا يوجد بها فرص للعمل أجمع الورد من الأراضى المحاذية لمنطقة سكننا و أبيع الباقة ب 2 شيكل فتصبح تكلفة الجردل 15 شيكل".
" أكثر ما يؤلمني موقف الجيران عندما يقولون أنني أمتلك 20 دونم لو كان ذلك لكنت عالجت بناتي مما هن فيه ,في موسم الزمبق أبيع الورد وفي الشتاء أعود للمؤسسات والجمعيات، للبحث عن معونات حتى نتمكن من تدبير أمورنا".
قطعت العديد من المعونات والمساعدات من قبل الجمعيات شملخ لأن الناس تنعته بالغني وصاحب الأملاك، دون أن يشعر أحد بمتطلبات 3 بنات " من ذوي الإعاقة الذهنية " غاضبات طوال الوقت لا يمكن رفض طلباتهن خوفاً من الانجرار إلى هستيريا جماعية وصراخ في المنزل، كل هذه الأعباء التي لا يطيقها ميسور الحال فما بالكم برجل يعيش على بيع الزنبق وما يجنيه ابنه الذي يعمل سائق.
دخلنا منزله المتواضع وتعرفنا على العائلة، لم نجد فيه ما يضاف أو ينقص البيت العادي للعائلة الغزية، إلا الحياة الاجتماعية، وحدها الأم تحاور ذاتها وهمومها فيما الأب مرابط و جرادل زهرات الزنبق يبيع الناس أمل ومحبة.
تقول أم شادي 52 عام زوجة سعيد شملخ :" رزقت بثلاثة بنات من ذوي الإعاقة الذهنية و لم أعلم في حياتي ما يجدر علي فعله عدا حمايتهن ورعايتهن من عيون الناس و ألسنتهم , في رقبتي طفلات مهما تقدم بهن العمر وهذا الهم الأكبر".
تجلس الأم طوال النهار لفض النزاعات وإسكات الضحكات التي ترن في المنزل في أغلب الأوقات بدون سبب وهذا ما يفسر حاجة أم شادي للجانب التواصلي مع العائلة فكل وقتها تمضيه مع بناتها بدون حوار جدى تعبر فيه عن حبها وغضبها و فرحها وهمومها لمن يستوعب ويساندها كل مشغول بهمه والبقية فاقد عقله على حسب تعبيرها، تحولت لآلة تنفيذ متطلبات.
تضيف :"إنه لمن القهر أن تمضى كل وقتك مع بناتك وكل رد عليك يكون ضحك؛ في بعض الأحيان أشعر أن روحي سوف تخرج من صدري من شدة الغضب؛ ولكن أقول ما ذنبهن فالله قدر وما شاء فعل ".
زهرات لم ترَ الشمس
غدير 23 عام مصابة بمرض جلدي يدعى " بهاق " بعد الحرب الأولي على القطاع جراء تعرض محيطهم للفسفور، و غطى شعرها الشيب في وقت مبكر، ودخلت الغرفة تضحك وتضحك، حتى سألتها ماذا هل أنت سعيدة؟؟؟، رقرقت دمعتها و أخبرتني ما يحمله قلبها من ألم:" أولاد الجيران ينعتوني بالجرباء و أذهب لأمي حتى تسكتهم وتحميني منهم، ولا شيء يسكتهم فهم لن يتوقفوا أبداً عن نعتي بالجرباء"، ثم عادت للضحك من جديد و لملمت أطرافها بحياء .
أصغرهن شادية 21 عاماً، لا تفهم ماذا يعني مدرسة فهي لم تذهب إليها يوماً، وذلك لأن ناديا صاحبة ال 22 عام كانت تشكل قلقاً كبيراً في مدرستها و تزعج المدرسة .
تتابع أم شادي :" لم أسجلها في المدرسة لأنني جربت مع الأختين الأولي كانت تعاني من زيادة كهرباء في المخ ومن الصعب السيطرة على وضعها، والثانية كانت تعاني من شيء مشابه وكانت تؤثر على عمل المدرسة لانها تجعل جميع الطلاب ينامون في الفصل مثلها فطلبت مني المدرسة أن أجد لها حل آخر حتى لا أظلم زملائها".
شادي 31 عاماً يقول :"لدى عائلة مكونة من 8 أفراد لهم متطلبات و إحتياجات وفي ذات الوقت عائله أبي و الأهم أخواتي بوضعهن الخاص فكيف أدير ظهري ولا أمد يد المساعدة لهن مهما كانت الظروف يبقين شرفي وعرضي، مهما اجتهدت لن يكفي فمن وظيفته حكومية لا يستطيع إعالة فرد على مصاريفه فما بالك بمن له عائليتن و مهنته السواقة".
كل ما يطلبه شادي حل لحالة شقيقاته؛ فلا توجد أي مؤسسة جادة للمساعدة و التأهيل لوضعهن الذي لا يطاق ، والوالدة أصبحت غير قادرة على تحمل العبء، فتأهيل الفتيات ليس امراً مستحيلاً ، لكن شادي لا يعلم أين يذهب بهن، رغم يقينه أن هناك جهات مختصة لذلك.
في قطاع غزة ليس فقط شاديا و غدير وناديا يعانين من تهميش المؤسسات الحكومية وغير الحكومية لحالتهن فقد يصبحن منتجات فاعلات بأي شكل من الأشكال ربما بتدريبهن على أعمال مهنية، فهن لم يصبن بحالة الفقدان التام للعقل و عدم التقدير والتركيز وذلك حسب التقدير الغير متخصص لنا أثناء زيارتهم، نحن نضم صوتنا لصوت تلك العائلة، حتى يتم تحويل الفتيات من حالة التغييب عن الواقع الى دمجهن بالواقع؛ فمن المسئول ؟
